بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢٤ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
ب- المقام الثاني: في البراهين التي أقيمت على إبطال هذه المقدميّة.
أمّا المقام الأول: فيقرّب بعدة تقريبات:
التقريب الأول، هو: إنّ مقتضى المعاندة الموجودة بين الضدين، أن يتوقف أحدهما على عدم الآخر، لأنّ هذا هو معنى المضادة و المعاندة في الوجود، فلكي يوجد أحدهما لا بدّ من إعدام الآخر.
و هذا البيان بهذه الصيغة الساذجة يمكن رده ببرهان نقضي عليه، كما في «الكفاية» [١] حيث يقال: لو كان مجرد المعاندة الثابتة بين الضدين، تستلزم مقدميّة أحد الضدين للآخر، لجرى الأمر نفسه في النقيضين أيضا، حيث يقال: بأن رفع أحد النقيضين يكون مقدمة للآخر، مع أنّ هذا مستحيل، لأنّ رفع النقيض الآخر هو عين النقيض الآخر، فيدور، و يتوقف الشيء على نفسه.
و يمكن التخلّص من هذا النقض، و ذلك بأن نضيف إلى قوله في أساس الدعوى: بأنّ المضادة و المعاندة بين أمرين تستدعي كون عدم أحدهما مقدّمة
[١] في النفس- من عدم مانعيّة هذا الضد بعد وجود مقتضيه- شيء، بعد أن عرفت سابقا كما نقل في الحكمة، أنه بمجرد وجود المقتضي. و طبعا، المساوي فضلا عن الغالب، يصير لوجود المقتضى، تقدم بالطبع. و هنا في المقام. يفرض للسواد وجود متقدم بالطبع بمجرد فرض وجود مقتضيه. و الكلام نفسه يقال حينئذ في مانعيّته أن لها تقدما و وجودا بعد أن صار وجود السواد المتقدم بالطبع مقتضيا لها.
إذ ليس السواد إلّا ترجمة لمقتضيه كما كانت المانعية ترجمة لمقتضيها و عليه يقال:
إنّه لا يعقل فرض وجود الوساد في عرض المانعية التي ليس لها تحقق في الخارج، إلّا في السواد المتقدم بالطبع، و الذي يرافق وجوده وجود مقتضيه. و من هنا يظهر أن صحة هذا البرهان موقوفة على افتراض وجود مقتضيين متساويين خارجا، و هو خلف ممانعتهما. فإذا كان ارتفاعهما محالا أيضا، إذن فلا بدّ من وجود أحدهما و لو تخييرا أو لأقوائية أحد المقتضيين، أو لوجود ضد ثالث لو قيل بارتفاعهما، و بهذا يثبت البرهان و يصح ببيانه الأول.