بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٨ - الجهة الثانية و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي
جريان البراءة في المقام، بينما أصالة البراءة عن الوجوب النفسي، للوضوء في الصورة الثانية، لم يكن هناك أثر عملي يصحّح جريانها، لأن نفي أصل العقاب عند ترك الوضوء غير معقول، ذلك للعلم بالمخالفة القطعية، و نفي العقاب الثاني، لا نحتاج فيه إلى الأصل، فلا يعارض جريانه البراءة عن وجوب الزيارة، و أمّا أصالة البراءة هنا عن الوجوب النفسي للوضوء فله أثر عملي، و هو نفي العقاب الثاني فيما لو ترك المكلّف كلا الفعلين رأسا، و إذا كان له أثر عملي جرى، و إذا جرى تعارض الأصلان، فيكون أصل البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، معارضا بأصل البراءة عن الوجوب النفسي للتقيّد.
و لكنّ هذا الفرق الذي يمكن للسيد الخوئي (قده) أن يطرحه بين الصورتين، ليس مفرّقا على مباني المحقق النائيني (قده) في باب تنجيز العلم الإجمالي، و توضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدمة:
و هذه المقدمة هي أن يقال: بأنه لا إشكال في أن جريان الأصول المؤمّنة في أطراف العلم الإجمالي غير معقول، و لكن الميرزا (قده) اشترط في عدم معقولية هذه الأصول أن تكون هذه الأصول الجارية في كل الأطراف، أو الطرفين، على نحو بحيث يمكن للمكلّف إذا استند عليها جميعا في عرض واحد، و في وقت واحد، أن يقع في المخالفة القطعيّة، كما لو فرض أنه علم إجمالا بوجوب الظهر، أو الجمعة، فأجرى في وقت واحد أصالة البراءة عن وجوب الظهر و أصالة البراءة عن وجوب الجمعة فجمع بين التركين استنادا إلى مجموع الأصلين، فإنه في مثل هذه الحالة لا يعقل جريان الأصول، لأنه ترخيص في المخالفة القطعيّة.
و أمّا لو فرض أن الأصول جرت في تمام الأطراف، لكن مع هذا فالمحذور عقلي إذ إنّه عاجز عن الاستفادة من تمام هذه الأصول، بحيث يترك هنا و يترك هناك، مستندا إلى الأصلين مثلا، فالأصول المؤمّنة تجتمع و لكن استنادات المكلف إليها لا يمكن أن تجتمع، في مثل ذلك. قال المحقق النائيني (قده): بإمكان جريان الأصول جميعا، إذ لا يلزم من جريانها جميعا