بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٧ - الجهة الثانية و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي
يبرز فرقا بين الصورة الرابعة هنا، و الثانية هناك.
و حاصل هذا الفرق هو أن يقال: بأن البيان المتقدم في الصورة الثانية لعدم جريان أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لا يجري هنا في الصورة الرابعة، فإنه في الصورة الثانية كما يقال: بأن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لا تؤمّن عن أصل العقاب، لأن ترك الوضوء يساوق المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، و إن كان المراد بالتأمين بهذا الأصل عن عقاب ثان وراء هذا العقاب. فإن العقاب الثاني غير محتمل، لأنه في تلك الصورة كان يعلم بوجوب نفسي واحد متعلّق إمّا بالزيارة، و إمّا بالوضوء، فإن كان متعلقا بالزيارة فالوضوء مقدمة لها، و إن كان متعلقا بالوضوء مباشرة فلا واجب غير الوضوء، إذن فلا يحتمل عقاب ثان حتى يؤمّن من ناحيته.
و هذا بخلافه في المقام، فإنه هنا يمكن إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء و يكون هذا الأصل مؤمّنا عن العقاب الثاني، لا العقاب الأول، لأن المفروض في المقام أن الوجوب النفسي فيه معلوم على كل حال، و إنما الشك في أن الوضوء واجب نفسي أيضا حتى يصير عندنا واجبان نفسيّان، أو إنّ الوضوء واجب غيري مقدمة للصلاة. و حينئذ لو فرض أن المكلّف ترك الوضوء و الصلاة معا، حينئذ وجود عقاب واحد بالنسبة إليه، أمر مفروغ عنه لا يمكن رفعه بالأصل، لكن هل هناك عقاب بملاك ثان؟. هذا أمر مشكوك فيه، لأنه إن كان الوضوء واجبا غيريا، إذن فلا عقاب من ناحيته، و إن كان الوضوء واجبا نفسيا و قد تنجز، فحينئذ، سوف يعاقب بعقابين: عقاب بلحاظ ترك الصلاة، و عقاب بلحاظ ترك الوضوء.
إذن فهنا تفيد أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لأنها تنفي العقاب الثاني، لأن العقاب الثاني في هذه الصورة محتمل، فلو بقي الوجوب النفسي المشكوك في الوضوء بلا مؤمّن شرعي، لتنجز و ترتب العقاب عليه، و أصالة البراءة عنه هنا وظيفتها نفي هذا العقاب، و هذا أثر عملي يصحح