بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٥ - ١- التنبيه الأول
أنها هي عينها، غاية الأمر أنها انقلبت من التخييرية إلى التعيينيّة، أو إنّهما إرادتان مستقلّتان إحداهما عن الأخرى بنكتة تخصّها؟. فمثلا في أول الأمر كانت إحداهما المتعلقة بالجامع، تخييرية، و بعد إن ابتلى المكلّف بالعطش انحصرت إرادته في الفرد الثاني من الإرادة، فانقلب الشوق عنده من التخييري إلى التعييني، أ هكذا هي؟. أو إنّ هذه الإرادة التعيينية هي إرادة أخرى، و ليست هي الأولى، بل هي وراء الأولى، و الأولى ليست هي التي تنقلب إلى الثانية، بل وجد ملاك آخر للثانية؟ فإن وجدت منفصلة عن الأولى؟:
قد يقال في المقام: إنّ الإرادة الثانية المشروطة هي إرادة أخرى مستقلة عن الأولى و ليست من تطوراتها، بدعوى أن كلّا من الإرادتين لها نكتة غير نكتة الأخرى، فليست إحداهما امتدادا للأخرى، فإن الإرادة المتعلقة بشرب الماء، و الحاصلة عند العطش، هي شوق نفساني يدركها كل إنسان عند ما يعطش حتى الحيوان، بينما تلك الأولى المتعلقة بالجامع، فهي شوق عقلاني مبني على التبصّر و التأمّل في حفظ الحياة، فإحداهما شوق بنكتة عقلانية، و الأخرى شوق بنكتة جسدية نفسيّة.
إلّا أن هذا الكلام غير تام، بل كلتا الإرادتين بنكتة واحدة، و ذلك أنّ ما هو محبوب و مطلوب الكائن الحي، على كل حال، إنما هو الارتواء، أو دفع ألم العطش، و هذا الارتواء له مقدمتان يوجد بوجودهما:
أ- المقدمة الأولى: هي أن يحصل الارتواء بسبب أنه لم يعطش.
ب- المقدمة الثانية: هي أن يحصل الارتواء، و ذلك بأن يعطش، لكن يحصل له الماء فيحصل الارتواء، إذن ففي المقام، مطلوب نفسي واحد، هو الارتواء، و فردا الجامع يعبران دائما عن مقدمتين صالحتين للتوصل إلى هذا الارتواء. إذن فالإرادة النفسية متعلّقة بذي المقدمة، «الارتواء» و يترشح منها شوق يتعلق بما يتوقف عليه ذو المقدمة. «الارتواء»، و ما يتوقف عليه ذو المقدمة، إنما هو أحد فردي الجامع: إمّا أن لا يعطش، أو يعطش و يشرب الماء.