بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٧ - ١- التنبيه الأول
و كما لو تعذّر كل أفراده، لا يزول هذا الشوق نهائيا، فإنه كذلك، لو تعذّر بعض أفراده، فإنه لا يتحوّل هذا الشوق من شوق للجامع إلى شوق للفرد.
و أمّا إذا كان الشوق المتعلّق بالجامع شوقا غيريا ناشئا من توقف المحبوب النفسي على هذا الجامع، و ذلك كمن يشتاق في أن يأتيه أحد ولديه لا شوقا نفسيا، بل لكي يأتيه بالدواء، فالمحبوب النفسي هو الإتيان بالدواء، و أمّا مجيء جامع أحد الولدين فهذا محبوب غيري، باعتبار توقف تحصيل الدواء على مجيء أحد الولدين، و إذا كان شوقا غيريا، حينئذ، إذا تعذّر أحد فردي الجامع، فلا محالة ينقلب هذا الشوق، و ينحسر عن الجامع، و يتعلق بالفرد، و يصبح شوقا تعيينيا متعلّقا بالولد الذي يمكن أن يجيء، و ذلك، لأنّ هذا الشوق نكتته المقدمية، إذ عند ما كان يمكن استدعاء كلا الولدين كانت المقدمة هي الجامع، و لكن عند ما تعذّر استدعاء أحد الولدين، و لم يمكن استدعاء الولد الآخر، حينئذ تصبح المقدمة هي خصوص الآخر، لأنّ الشوق الغيري دائما يتعلق بما يتوقف على إيجاده وجود ذي المقدمة، و بعد تعذّر أحد فردي المقدمة تنحصر المقدمة في الفرد الآخر لا محالة، و يحصل الشوق نحو الفرد الآخر.
و بتعبير آخر يقال: إنه يصحّ هذا الإشكال فيما إذا كان الجامع متعلّقا بالإرادة و الشوق النفسي، و أمّا إذا كان تعلّق الإرادة و الشوق بالجامع تعلقا غيريا من أجل تحقيق المحبوب النفسي الأصلي الذي هو حفظ الذات، كما في مثال إحضار الدواء بجامع الولدين، حينئذ هذا الشوق الغيري المتعلق بالجامع، باعتباره توصليا، فهو يتعلق بما هو فعلا يوصل الإنسان إلى مطلوبه النفسي.
و بهذا يفسّر التحول، فالشوق الغيري دائما يتحول من التخييرية إلى التعيينية إذا تعذّر أحد فردي الجامع، و أمّا الشوق النفسي المتعلق بالجامع فإنه لا يتحول من التخييرية إلى التعيينية.