بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٥ - النظرية الأولى
يلزم أن يترشح الإلزام على الاستطاعة من قبل الأمر بالحج و هكذا، فعالجوا هذه المشكلة بالشكل الذي تقدّم، بأن جعلوا الاستطاعة قيدا في الحج، لكن بوجودها الاتفاقي، و حينئذ قالوا: إن القيد بوجوده الاتفاقي غير الناشئ من الإرادة، يستحيل سريان الإلزام إليه، لأنه بمجرد الإلزام به يخرج عن كونه اتفاقيا.
إلّا أن هذا الجواب لا يكفي، و ذلك لأنه يفسر لنا كيفية عدم سريان الإلزام و التحريك المولوي إلى القيد، باعتبار عجز المولى عن الإلزام به، إذ بمجرد الإلزام به يخرج عن كونه اتفاقي الوجود.
و حاصل البرهان على خلاف هذه النظرية هو: إنّ فعلية الإرادة نحو المقيّد، تقتضي فعلية الشوق نحو القيد، أو قل: إن الشوق النفسي للحصة المقيّدة بالاستطاعة، يقتضي أن يترشح منه شوق غيري للقيد لا محالة، حتى لو فرض عجز المولى عن الإلزام بهذا القيد، للزوم محذور خروجه عن كونه قيدا اتفاقيا، و لكن هذا إنما يصحح و يبرر عجز المولى، و عدم إلزامه لعبده بالقيد، و لا يمكنه أن يحبس أنفاس المولى و مشاعره و أشواقه نحو القيد، لأن من أحب المقيّد أحب قيده، و هذه ملازمة نقبلها كما قبلنا بكون مقدمة الواجب واجبة، إذن لا محالة من ترشّح حب فعلي غيري للقيد من الحب الفعلي للمقيّد.
هذا مع العلم أن المولى لا يحب القيد الثابت في كثير من موارد الواجب المشروط، بسبب كون هذه القيود أفعالا محرّمة كما في إيجاب الكفارة المشروطة بإفطار شهر رمضان عمدا، فهنا إفطار شهر رمضان عمدا يبغضه المولى و لا يحبه، لأنه على خلاف محبوبه، و حينئذ فلو قبلنا بأن القيود و الشروط في الواجب المشروط ترجع إلى المراد لا للإرادة، فهذا معناه أن إرادة المولى للكفارة، إرادة فعلية، و حبّه لها حبّ فعلي، إذن ينبغي أن يأمرنا المولى بقيد محبوبه الذي هو إفطار شهر رمضان حتى يتحقق محبوبه، و كون القيد- الإفطار- قد أخذ بوجوده الاتفاقي، لا يمنع من ترشح الحب الفعلي