بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤٩ - ٣- التنبيه الثالث
فيقدّم عليه بملاك الأقوائية، فقد اعترض عليه المحقق [١] الخراساني (قده) بأنه لا موجب لأقوائية الإطلاق الشمولي على البدلي لأنهما معا كانا بمقدمات الحكمة و بالإطلاق الحكمي، و ما داما هكذا لا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.
نعم لو كان أحدهما بالعموم الأداتي «ككل و جميع»، و الآخر، بالإطلاق الحكمي لصحّ تقديم العموم الأداتي على الحكمي بدعوى الأقوائية كما لو قال، «لا تكرم أيّ فاسق و أكرم عالما»، حينئذ إطلاق «أكرم عالما» إطلاق بدلي حكمي و إطلاق «لا تكرم أيّ فاسق» إطلاق شمولي أداتي، فهنا يقدّم الشمولي على البدلي، لكن ليس لأن هذا شمولي و هذا بدلي، بل لأن هذا أداتي و ذاك حكمي، و لهذا لو فرض أن الإطلاق البدلي كان أداتيا و الشمولي كان حكميا لانقلب المطلب، و تقدّم البدلي على الشمولي، كما لو قال «أكرم أيّ عالم شئت» ثم قال «لا تكرم الفاسق»، فالأول إطلاق بدلي أداتي، و الثاني شموليا حكميا، فهنا يقدّم الإطلاق البدلي على الشمولي، لأنه أداتي، إذن فمتى ما كان كل من الشمولي و البدلي مستفاد من مقدمات الحكمة فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.
و قد ذكرنا في بحث «التعادل و التراجيح» أن الشمولية و البدلية ليست مدلولة لمقدمات الحكمة، و إنما مفاد مقدمات الحكمة شيء واحد في موارد المطلقات الشمولية و البدلية، و إنما الشمولية و البدلية تكون بالقرينة العقلية الأخرى لا بمقدمات الحكمة.
و مجمل القول في ذلك، هو أنّ تمام وظيفة مقدمات الحكمة هو إثبات أنّ تمام مدلول الكلمة هو تمام ما هو في الواقع، أي أصالة التطابق بين مدلول الكلام و بين تمام المرام، و هذا المطلب لا فرق فيه بين مدلول الهيئة و مدلول المادة، فإنّ ما يثبت بمقدمات الحكمة في جانب الهيئة هو أن مدلول الهيئة
[١] كفاية الأصول: مشكيني ج ١ ص ١٦٩.