بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٤ - ٣- التنبيه الثالث
عدم إجزاء الصدقة الواقعة قبل القيام، لأن عدم الإجزاء هذا، إن كان ناشئا من تقييد المادة فهو، و إن كان ناشئا من تقييد الهيئة، فتقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة أيضا، فالخلاصة هي: أن هذا البيان المتصل في كلام المولى، يكون دليلا على تقييد المادة على كل حال.
و بهذا تنخرم مقدمات الحكمة في جانب المادة، لأن إحدى مقدمات الحكمة في جانب المادة هي: أن لا يأتي المولى في كلامه بما يكون دليلا على التقييد، و المفروض أنه أتى في كلامه بما يكون دليلا على التقييد، بينما مقدمات الحكمة في جانب الهيئة غير منخرمة، لانعدام ما يصلح في كلام المولى لتقييدها.
و قد تقدّم و قلنا: بأن كون البيان المتصل يلزم منه التقييد، هذا اللزوم لا يغني، و قد قالوا في المنطق الأرسطي: إنّ الدال على اللازم الأعم لا يدل على الملزوم الأخص، و عليه فمقدمات الحكمة في الهيئة تامة، و يجري الإطلاق فيها بلا معارض، بعد انخرام هذه المقدمات في طرف المادة.
٢- النحو الثاني: هو أن يفرض كون القيد متجها ابتداء إلى أحد المركزين: إمّا المادة، و إمّا الهيئة، لكن المكلّف لم يشخّص أيّ المركزين يريد.
في مثل ذلك، إن بنينا أنّ تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادة، إذن فهذا البيان يكون متجها نحو أحد المركزين: إمّا المادة فقط، و إمّا الهيئة فقط، و في مثل ذلك لا يحصل التعارض بين الإطلاقين، لأنّ التعارض بين الإطلاقين فرع تماميّة مقدمات الحكمة في كل من الموردين، يعني فرع تماميّة الظهور الذي تولده مقدمات الحكمة فيهما.
و في المقام نعلم أن مقدمات الحكمة منخرمة في أحدهما، لأنّ القيد المتصل هنا يصلح لتقييد أحد الإطلاقين، و لكن المكلّف لا يدري على أيّهما انصبّ القيد، إذن فهنا لا تعارض بين الحكمتين، و بين ظهوري الإطلاقين.