بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٩ - الجهة الثانية و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي
أن يقتحم المكلف هنا و هناك و هنالك، و يجمع بين هذه الاقتحامات، و يخالف مخالفة قطعية، باستناده إلى هذه الأصول، فإن مثل هذا المطلب لن يقع خارجا و مثال ذلك: الشبهة غير المحصورة، فإنه فيها إذا علم إجمالا أن أحد الأواني الموجودة في بلده الكبير هي نجسة، فيعلم إجمالا بحرمة الشرب بواحد من هذه الأواني، هنا قال المحقق النائيني (قده)، و نحن معه نقول: بأنه يمكن إجراء أصالة الطهارة في تمام أطراف الشبهة غير المحصورة، لأنه لو أجريت أصالة الطهارة و أصالة الإباحة في تمام هذه الأواني، حينئذ سوف لن يتمكن المكلف أن يستند إليها جميعا في عرض واحد، و ليس حالها حال الظهر و الجمعة، إذن فلا بأس باجتماع الأصول، لأن اجتماعها إذا كان يؤدي إلى اجتماع المخالفات الاحتماليّة، فهو غير معقول، و أمّا إذا لم يؤدّ إلى ذلك فلا بأس به.
و حينئذ على ضوء هذا المبنى نعالج محل الكلام فنقول:
إن أصالة البراءة في محل الكلام عن الوجوب النفسي للوضوء، لا يظهر تأمينها و أثرها، فيما إذا أتى بالصلاة و ترك الوضوء، لأن هذا التارك للوضوء يعلم بوقوع مخالفة واحدة منه، لأن الوضوء إن كان واجبا نفسيا فقد عصى، و إن كان شرطا في الصلاة، إذن فقد عصى الأمر بالصلاة، إذن فهو قد عصى كلا الأمرين، و لم تصدر منه معصية ثانية يقينا، لعدم احتمال أن يكون قد صدرت منه معصيتان في المقام، لأنه لا يحتمل أن يكون الوضوء واجبا نفسيا و شرطا في وقت واحد.
إذن ففي فرض ترك الوضوء و الإتيان بالصلاة، فإن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لا تحدث فيه تأثيرا، لأنه إن أريد بها التأمين من ناحية أصل العقاب، فغير معقول، لأنه يعلم بالمخالفة القطعية. و إن أريد التأمين لنفي العقاب الثاني، فهو معلوم العدم. إذن فهذا الأصل ليس مركز تأمينه هو هذا المكلّف الذي ترك الوضوء و أتى بالصلاة.
نعم هذا المكلّف يكون مركزا للتأمين من ناحية أصالة البراءة عن