بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٢ - الجهة الثانية و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي
نحتمله أصلا، لأننا لا نحتمل أكثر من واجب واحد في المقام، و لا عقاب إلّا بمقدار ما نعلم، فالعقاب الثاني غير محتمل، فلا يجري الأصل فيه ليؤمّن العبد منه، فأصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء لغو لا يعقل تأمينه.
إذن، و هذا بخلاف أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للزيارة، فإنه يؤمّن من ناحية ترك الزيارة، إذ إنّ ترك الزيارة غير مساوق للمخالفة القطعية فيما إذا توضأ، و لكن لو ترك الوضوء و زار، فقد خالف مخالفة قطعية، و من هنا تجري أصالة البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض، و ينحل العلم الإجمالي انحلالا حكميا.
و بعبارة أخرى: إن أصالة البراءة عن وجوب الزيارة، لا تعارضه أصالة البراءة عن وجوب الوضوء، إذ يعلم على كل حال بترتب العقوبة على مخالفته إمّا بنفسه، أو باعتباره يؤدي إلى ترك الواجب النفسي، فلا تجري البراءة عنه.
إذن فبلحاظ عالم الأمر لا يوجد انحلال، و لكن بلحاظ عالم العهدة و التحميل يتم الانحلال لأنه يعلم باشتغال الذمة على كل حال، فحال العلم الإجمالي في المقام، حال الانحلال في سائر موارد الدوران بين التعيين و التخيير، إذن فالنتيجة، هي: جواز ترك الزيارة دون الوضوء.
الصورة الثالثة: هي عين الصورة الثانية، لكن نفرض أن الواجب النفسي المحتمل، و الذي فرضنا أنه «الزيارة» هناك، نفرضه هنا أمرا مبهما مرددا بين آلاف الأشياء غير المحصورة.
و بعبارة أخرى: هذه الصورة هي نفس الصورة الثانية، غاية الأمر أنه على تقدير الغيرية، يكون مقدمة لواجب نفسي مردّد بين أمور غير محصورة، كما لو قال المولى: «توضأ»، و لا نعلم أن الوضوء واجب نفسي أو غيري، و على تقدير كونه غيريا، فهل هو مقدمة للزيارة فالزيارة واجبة، أو للدعاء، فالدعاء واجب إذن، أو للصلاة، فالصلاة واجبة إذن، أو لقراءة القرآن، فقراءة القرآن واجبة، و هكذا بحيث يدور بين أمور كثيرة.
في مثل ذلك، يتشكل علم إجمالي بوجوب نفسي في دائرة غير