بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٥ - ٣- التنبيه الثالث
و حينئذ بناء على هذا لا أثر لأقوائية أحد الإطلاقين على الآخر، كما قيل في تقدم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي، لأن تقديم أقوى الظهورين على الآخر، أنما هو بعد فرض ثبوت أصل الظهورين، و هنا لم يثبت أصل الظهورين، لأن أصل الظهورين إنما يثبت لو ثبتت كلتا الحكمتين، و المفروض أن الحكمة هنا منخرمة في أحدهما جزما، و معه لا ظهور لأحدهما جزما، إذن فليس الباب باب تعارض الظهورين حتى يقدّم أقواهما على أضعفهما، بل الباب هنا هو باب اشتباه ما له ظهور بباب ما ليس له ظهور، و بهذا يتعيّن الإجمال.
و أمّا إذا قلنا: بأنّ تقييد الهيئة يستلزم [١] تقييد المادة، فأيضا ستكون النتيجة هي الإجمال، و ذلك لأن إطلاق المادة تكون حكمته منخرمة يقينا، باعتبار وجود ما يصلح أن يكون مقيّدا له، لأن هذا القيد المتصل إن كان متجها ابتداء نحو المادة، فهو المطلوب، و إن كان متجها نحو الهيئة، فيدل بالالتزام على تقييد المادة بحسب الفرض. إذن فالحكمة في المادة منخرمة جزما، إذن فلا ظهور في طرف المادة، و أمّا في جانب الهيئة فالحكمة منخرمة احتمالا، لا جزما لاحتمال أن يكون هذا القيد متجها نحوها، فلا يقع تعارض أصلا، و يكون المقام من مورد الإجمال، لأن التعارض فرع استقرار الظهورين، و في المقام لا يوجد ظهوران، فلا يقع التعارض بينهما من دون فرق بين أن يكون الإطلاق الشمولي أقوى، أو لا يكون، ذلك لأن الأقوائية لا أثر لها، و إنما يظهر أثرها فيما لو وجد ظهوران، و في المقام لا يوجد ظهوران.
و بذلك يتضح ثبوت فرق فنّي بين هذين القسمين من حيث النتيجة، إذ إنّه في القسم الثاني لا يمكن التمسك بإطلاق الهيئة، و لا يفيد أن يكون إطلاق الهيئة أقوى من إطلاق المادة، بينما في القسم الأول فقد يمكن التمسك
[١] المفروض أن أصل تقييد الهيئة احتمالي، فلازمه احتمالي أيضا للابدية السنخية بين اللازم و الملزوم، و لكون الدال على اللازم الأعم لا يكون دالا على الملزوم الأخص، و المفروض أن البيان صالح لتقييد كلا الإطلاقين. إذن فيرجع الكلام طردا إلى أقوى الظهورين، و لو بقرينة خارجية، فيترجح و إلّا فيتساقط (المقرر).