بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٧ - النظرية الثانية
خارجا. و كأن المحقق العراقي (قده) أراد أن يشبع الوجدان الفطري الذي أشرنا إليه في التعليقة على النظرية الأولى، حيث أن الوجدان الفطري لهذه المسألة يدرك بأنّ هناك ارتباطا بين نفس الإرادة و بين العطش، لا أن العطش لا علاقة له بالإرادة أصلا، فهو حيث أنه يعطش فيريد، إذن فالارتباط ذاتي بينهما، و من هنا كانت النظرية الأولى على خلاف الفهم الفطري للمسألة إذا سلخت الإرادة عن أي شرط، و صارت لا علاقة لها بشيء، و جعلتها مطلقة، حيث صار لا فرق بين إرادتنا لشرب الماء عند العطش، و إرادتنا للتنفس فعلا، و جعلتها فعلية مطلقة، و لأجل هذا الارتباط الفطري و الذاتي، اعترف به، لكن جعله بين الإرادة و الوجود اللحاظي للعطش، لا الخارجي له.
و قد برهن على ذلك: بأن الوجود الخارجي للعطش أو للاستطاعة، لا يعقل أن يكون مؤثرا في نفس المولى، إذ إنّ الوجود الخارجي إنما يكون مؤثرا باعتبار تصور المولى له، و لحاظه له، فلا يعقل أن تناط الإرادة التي هي من موجودات عالم النفس، بأمر خارجي مباشرة، بل لا بد من إناطتها بأمر نفسي و ذهني من سنخها و عالمها و هو لحاظ الاستطاعة.
و الخلاصة: هي أن النظرية الثانية ترى أن إرادة شرب الماء المنوطة بالعطش، موجودة بوجود فعلي، و هي إلى هنا متفقة مع النظرية الأولى، لكن تختلف عنها في أمرين مترتبين يتفرع ثانيهما عن أولهما:
أ- الأمر الأول: هو أن النظرية الأولى ترى: أن إرادة شرب الماء موجودة قبل العطش بوجود فعلي، لأنها مطلقة، و غير مشروطة. و أمّا النظرية الثانية فإنها ترى: بأن إرادة شرب الماء موجودة بوجود فعلي، لأنها مشروطة بشرط موجود و هو هو اللحاظ، فيكون المشروط فعليا بفعلية شرطه، فكلما لاحظ المولى إنسانا مستطيعا، انقدح في نفسه شوق إلى الحج.
ب- الأمر الثاني: و هو الأمر المترتب على الأول، و هو إنّ أصحاب النظرية الأولى القائلين بأن إرادة الحج فعلية قبل الاستطاعة، كانوا يواجهون مشكلة و هي: إنّه إذا كانت هذه الإرادة فعلية قبل الاستطاعة، إذن فلما ذا لا