بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٨ - النظرية الثانية
تحرك نحو العطش؟. و كانوا يجيبون: بأن الشرط فيها مأخوذ بوجوده الاتفاقي. و أمّا لو سئل أصحاب النظرية الثانية بأنه: لما ذا لا تكون هذه الإرادة محركة نحو العطش؟ فإنهم يجيبون: بأنّ الإرادة هذه منوطة بلحاظ العطش و هذا اللحاظ موجود، لكن النتائج التكوينية لهذا هو أن تكون فعلية الإرادة منوطة بفعلية العطش، أي: بفعلية الملحوظ.
و هذه النظرية الثانية كأنها تريد أن تجاري الفهم العرفي، و تشبع مولوية المولى، و قد برهن أصحابها على ذلك حيث يقولون: إنّ الإرادة لا يمكن أن تكون منوطة بوجود الاستطاعة خارجا، ذلك لأن الاستطاعة بوجودها الخارجي، لا تكون مؤثرة في عالم النفس و الذهن ابتداء، و إنما المؤثر في عالم النفس هو الوجود الذهني و اللحاظي.
و بعبارة أخرى: إن الإرادة من موجودات عالم النفس، فلا بدّ أن يكون شرطها المؤثر فيها من عالمها، لا من العالم الخارجي.
و التحقيق هو عدم صحة البرهان، و النظرية نفسها.
أمّا عدم صحة البرهان: فلأن هذا البرهان قائم على افتراض أن الإرادة إمّا أن تكون منوطة بالاستطاعة بوجودها الخارجي، و إمّا أن تكون منوطة بالاستطاعة بوجودها اللحاظي، و إذا امتنع الأول ثبت الثاني.
و هذا البرهان غير صحيح، إذ يوجد شق ثالث، و هو: أن يكون المؤثر في الإرادة، لا وجود الاستطاعة خارجا، و لا وجودها تصورا، بل المؤثر في الإرادة إنما هو التصديق [١]. بوقوع الاستطاعة خارجا، و التصديق أمر نفساني ذهني، فيعقل أن تكون الإرادة منوطة به، و عليه، فلا يصح ما قيل في البرهان.
[١] و قد يقال بأن التصديق أعم من الوقوع الخارجي و الذهني. و عليه، فيعود الكلام من جديد فيما هو المؤثر الحقيقي في الإرادة، مع ملاحظة كونها فعلية قبل الشرط (المقرّر).