بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٢ - ٣- النظرية الثالثة
و هذه المقايسة، بلحاظ المرحلة الأولى و هي مرحلة القضية الشرطية، هي صحيحة، و لكنها بلحاظ المرحلة الثانية، مرحلة القضية الفعلية، هي غير صحيحة، فإن قضية «النار حارة» لها مرحلة فعلية، و هي مرحلة فعلية الجزاء بفعلية الشرط، و لكن قضية المستطيع يجب عليه الحج، هذه القضية ليس لها وراء عالمها وجود فعلي، و مرحلة فعلية لكي تقاس هذه بتلك كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الشرط المتأخر. فإن القضية الحقيقية يكون لجزائها مرحلة فعلية حقيقية، و هذا بخلاف القضية المجعولة، فإنها لا يكون لجزائها مرحلة فعلية حقيقية بالدقة بل وهمية تصورية.
و الخلاصة هي: إنّ الوجوب المشروط في مرحلة الجعل و الاعتبار- المرحلة الثالثة- و إن كان ينشأ على نهج القضايا الحقيقية، بمعنى أنه يقدّر وجود الشرط تقديرا، ثمّ ينشأ الوجوب على أساس هذا التقدير، كما يقدر وجوب النار، و ينشأ الحكم بالحرارة على أساسه.
و لكن الفرق بين الاعتبار الذي يتمثل فيه الحكم في المرحلة الثالثة، و بين القضايا الحقيقية في الأمور الخارجية، هو: إنّ القضايا الحقيقية لها وراء عالم القضية الشرطية فعلية لجزائها في ظرف فعلية موضوعها، و لكن الاعتبار الذي تتمثل فيه قضايا الأحكام في المرحلة الثالثة، فهو ليس له وراء عالم القضية الشرطية المجعولة بذلك الاعتبار، ليس له فعلية للجزاء بفعلية الشرط، كما أشرنا إلى ذلك في بحث الشرط المتأخر.
و حاصل الكلام في ذلك هو: إنّ المولى حينما يعتبر وجوب الحج على المستطيع، فإنه يحدث بهذا الاعتبار شيئا لم يكن قبله- سواء أ كان مستطيعا في الخارج أو لم يكن، و هذا الشيء الذي يحدث هو عبارة عن نفس الجعل و الاعتبار، إذ إنّ الجعل و الاعتبار حادثان بعد العدم، فالحادث قضية شرطية مجعولة و مفترضة، و هي قضية أنه لو كان مستطيعا لوجب عليه الحج، و هذه القضية الشرطية تكون ثابتة بالجعل و الاعتبار، بعد أن لم يكن لها ثبوت قبل ذلك، ثم بعد ذلك، يفرض أن الشرطية- الاستطاعة- توجد خارجا، حيث