بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٤ - صياغة وجوب المقدمة و معنى الموصل المعروض للوجوب الغيري
و من الواضح أن مجموع المقدمات، بما فيها الإرادة الكاملة الواجدة لمقتضياتها، الفاقدة لمزاحماتها في عالم الأفعال الاختيارية، هو الذي يضمن معه حصول ذي المقدمة، فإن هذا هو الطريق الذي لا ينفك عن ذي المقدمة بالمعنى المناسب مع باب السلطنة و الاختيار، فإن العاقل إذا تمّت عنده كل هذه، حقّق المراد لا محالة.
الوجه الرابع: هو أن الأمر بالإرادة غير معقول، باعتبارها المقتضي المباشر للإيجاب النفسي على ذي المقدمة، لما هو ثابت في محله، من أنّ الأمر بشيء يتضمّن قدح الداعي و الإرادة في نفس المكلّف نحو الفعل، فكيف يكون ذلك مأمورا به أيضا بالأمر الغيري، فإنه من تحصيل الحاصل.
و جوابه: هو ما تقدّم، من أنّ الأمر الغيري ليس بداعي المحركيّة و التحصيل، كي يشكل عليه بإشكال تحصيل الحاصل، و إنما هو أمر تبعي قهري.
و لو فرض أنّه من أجل المحركيّة و الباعثيّة، فلا وجه لتخصيص الإشكال بالإرادة خاصة من أجزاء المقدمة، بل سائر أجزائها أيضا تكون إرادتها متضمّنة للوجوب النفسي.
الوجه الخامس: هو أن الأمر بالشيء، إنما هو لقدح الإرادة في نفس المكلّف نحوه، فالأمر بالمقدّمة إنما يكون لقدح إرادة تلك الإرادة، مع أنّ الإرادة لا تكون من مقدمات حصول الواجب خارجا، بل يتحقّق الواجب من دونها دائما أو غالبا، فكيف يكون مطلوبا غيريا.
و جوابه: هو أنه مضافا إلى ما تقدّم من عدم كون الأمر الغيري لقدح الإرادة نحو الغيري، فإن هذا من الخلط بين المطلوب التشريعي للمولى، و المطلوب التكويني له، فإن الإرادة التي تنقدح بالأمر هي مراد تكويني للمولى يحصّله بنفس أمره، فهو فعله بالتسبيب، و هو من مقدّمات التحصيل، و ليس من مقدمات حصول الواجب، ليكون فعله مطلوبا من الغير تشريعا و لو غيريا.