بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٦ - الجهة الرابعة و هي في الكلام عن خصوصية أخرى للأمر الغيري
العبادي، فتكون العباديّة مأخوذة في متعلق الأمر الغيري، و هذه العبادية في متعلق الأمر الغيري لها أحد منشأين، و كلاهما يلزم منه الدور:
المنشأ الأول: هو أن يقال: بأن عباديّة الوضوء إنما تكون بمعنى قصد امتثال نفس هذا الأمر الغيري المتعلق بالوضوء العبادي.
و هذا يلزم منه دور التعبّدي و التوصّلي، لأن هذه العبادية أخذت في متعلق الأمر، فالأمر الغيري تعلّق بالوضوء العبادي بما هو عبادي بحسب الفرض، فكيف يفرض أن هذه العبادية ناظرة إلى نفس هذا الأمر، و هذا دور.
ب- المنشأ الثاني: هو أن يقال: بأن هذه العبادية تتحقّق بلحاظ قصد التوصل إلى ذي المقدمة، لا بلحاظ قصد شخص الأمر الغيري المتعلق بالمقدمة.
و هذا أيضا دور، لأنّ قصد التوصل بالوضوء فرع كونه مقدمة، لأن ما لا يكون مقدمة، لا يعقل قصد التوصل به إلى شيء آخر، إذ يكون أجنبيا عنه فلا يقصد التوصل به إليه، فقصد شيء للتوصل إلى الصلاة، فرع أن يكون ذلك الشيء مقدمة للصلاة، و كونه مقدمة و مصداقا للمقدمة، فرع أن يقصد به التوصل، يعني فرع أن يكون عباديا، لأننا فرضنا أنّ العبادية دخيلة في مقدّميّة المقدمة.
إذن فلا تكون مقدمة إلّا إذا قصد به التوصل، و لن يقصد به التوصل إلّا إذا كان مقدمة، و هذا دور.
و الخلاصة، هي: إنّ قربيّة المقدّمة، إن كانت من ناحية أخذ قصد امتثال نفس الأمر الغيري المتعلّق به، فهذا دور، بل هو غير معقول، لما تقدّم، من عدم قربيّة الأمر الغيري، و إن كانت قربيّة المقدمة من ناحية الأمر النفسي بذي المقدمة، أي: قصد بها التوصّل إلى ذي المقدمة، فهو دور أيضا، لأنّ قصد التوصل بها، فرع مقدّميّتها، و مقدميتها لونها قربية، فرع قصد التوصل، و الجواب على هذا التقريب هو: إننا نختار المنشأ الثاني، بعد البناء على تسليم