بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٣ - ٣- النظرية الثالثة
يصح السؤال هنا، بأنه: هل حدث شيء جديد عند وجود الشرط حيث يقال:
إنّ ذلك الجزاء في القضية الشرطية كان موجودا بوجود تقديري، و الآن أصبح موجودا بوجود فعلي تبعا لفعلية وجود الشرط، فهل هذا التساؤل و هذا القول، له واقع أو لا؟
قد سبق و ناقشنا هذا الوجود الثاني حيث قلنا هنا: إنه في ظرف وجود الاستطاعة خارجا، لا يحدث شيء آخر وراء عالم الجعل و الاعتبار غير الذي كان ثابتا من أول الأمر.
و كان برهاننا على ذلك هو أن ثبوت شيء و حدوثه عند وجود الاستطاعة خارجا، إمّا أن يكون نسبته إلى الجعل نسبة المجعول إلى الجعل، و إمّا أن يكون نسبته إلى الجعل نسبة المقتضى إلى المقتضي، و المسبّب إلى السبب، فإن فرض أن هذا الشيء نسبته نسبة المجعول إلى الجعل، بمعنى أن الجعل جعل و إيجاد له، فقد سبق و قلنا: إنّ هذا غير معقول، لأن المجعول مع الجعل كالوجود مع الإيجاد، فكما أن الوجود عين الإيجاد، فكذلك المجعول و المعتبر عين الجعل و الاعتبار، و لا تعقل المغايرة بينهما.
و لكن في المقام يوجد مغايرة بينهما، لأن الاعتبار كان موجودا، و لم يكن هذا المجعول موجودا ثم وجد، و مع فرض وجود هذه المغايرة بينهما، يستحيل أن تكون نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة المجعول إلى الجعل، و المعتبر إلى الاعتبار، لما برهن عليه من العينية و الاتحاد بينهما.
و في مقام توضيح هذا المطلب و تعميقه يقال: إن الاعتبار صفة من الصفات النفسانية ذات الإضافة، إذ إنّه يوجد في عالم النفس صفات ذات إضافة، و صفات ليست بذات إضافة، و من جملة الصفات القائمة في عالم النفس، و هي ذات إضافة، الاعتبار، و الحب، و البغض، و القدرة، و العلم، فإن الاعتبار يحتاج إلى معتبر، و الحب إلى محبوب، و القدرة إلى مقدور و هكذا. و أمّا الصفات النفسانية التي ليست بذات إضافة فهي من قبيل الجبن،