بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦ - الموقع الثاني محذور الشرط المتأخر بلحاظ الملاك
الإضافات التي تحصل بين الأشياء، فكون فلان متقدما على فلان، لا يعني أن هذا التقدم أمر اعتباري محض مثل بحر الزئبق، إذن فلا يدخل في القسم الثاني لوضوح أن العقل ليس مسلطا عليه كتسلطه على اعتبار بحر من زئبق، فلو أراد مئات المرات أن يسلخ التقدم عن نبوة عيسى «ع» على نبوة خاتم الأنبياء «ص» فلا يستطيع، لأن التقدم أمر واقعي، فالعقل هنا دوره دور الانفعال و القبول، لا دور الإنشاء و الفاعلية، كما أن هذا القسم ليس من القسم الأول لوضوح أنه لو كان لتقدم هذه الحادثة، على تلك الحادثة وجود واقعي في الخارج، إذن لكانت هي حادثة من الحوادث، فيكون أيضا لها تقدم، و هكذا حتى يلزم التسلسل في العلل و المعلولات الخارجية، و هو مستحيل.
إذن فالإضافة لا هي من الأول، و لا هي من الثاني، بل هي قسم برأسه يسمونها بالاعتباريات الواقعية التي لها جنبة واقعية، بمعنى أن العقل متى ما قاس شيئا إلى شيء آخر، انتزع منه و نشأ في وعاء العقل مفهوم هو التقدم، و قد سمّينا هذه الأشياء في بحث المعنى الحرفي بأشياء لوح الواقع، تمييزا لها عن القسم الأول، الذي هو لوح الاعتبار.
الأمر الثاني: هو أن الملاك، كما يكون المصلحة و المفسدة، أيضا يكون الملاك هو الحسن و القبح، و أحدهما يختلف عن الآخر، فالمصلحة و المفسدة عبارة عن أمور موجودة في الخارج، فهي داخلة في القسم الأول من قبيل صحة المزاج، قدرة النفس، شدة الصبر، كمال الإيمان، كل هذه أمور حقيقية موجودة في الخارج، و أمّا الحسن و القبح العقليان فبابهما ليس باب المصالح و المفاسد، فقد يحكم العقل بحسن شيء و فيه أعظم المفاسد، و قد يحكم بقبح شيء و فيه أعظم المصالح، و ذلك كما لو تخيّل إنسان أن النبي عدوّ لنبي يغرق فأنقذه من باب أنه عدو النبي، فهذا العمل قبيح لأنه جرأة على النبي، لكن فيه مصلحة عظيمة لأنه حفظ به الدين، فهنا الحسن و القبح منحاز بحسب توصلات العقل إليه في جملة من الأحيان، و الحسن و القبح يرجعان إلى القسم الثالث أي: