بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٥٢ - ٣- التنبيه الثالث
المبرهن على أخذه في المادة ببرهان كالقرينة المتصلة، فحينئذ لا يكون تقييد الهيئة تصرفا في إطلاق المادة، بل يكون تخصّصا بالنسبة إلى إطلاق المادة، لأن إطلاق المادة هو من أول الأمر ساقط عن كل ما هو قيد للهيئة ببرهان عقلي كالمتصل، فإذا تقيّدت الهيئة ثبت بذلك أن هذا مصداق من مصاديق ذلك العنوان الذي تبرهن تقيّد المادة به، و هذا معنى أن تقيّد الهيئة يكون بالنسبة إلى إطلاق المادة تخصّصا لا تخصيصا و تقييدا زائدا، و الخروج التخصّصي ليس محذورا زائدا، و إنما الزائد هو الخروج التخصيصي.
و بعبارة أوجز يقال: بأنّ تقييد المادة بعد تقييد الهيئة ليس مخالفة، لأنه تقيّد و ليس بتقييد، تخصّص و ليس بتخصيص، لأن إطلاق مادة كل أمر مقيّدة لبا بكل قيود الوجوب، فإذا قيد الوجوب في مورد، فقد تحقّق صغرى ذلك المقيّد اللبي الكلّي، و لا يكون تقييدا جديدا في المادة، إذن فهذا التقريب غير مقرّب.
التقريب الثالث: هو أن التعارض بين إطلاق الهيئة و إطلاق المادة فرع العلم الإجمالي بأحد التقيدين: تقيّد إطلاق المادة أو تقيّد إطلاق الهيئة، مع أنّ هذا العلم الإجمالي بالتقييد منحل إلى العلم التفصيلي بالتقيد في جانب المادة، و من ثمّ الشك البدوي بالتقيّد في جانب المادة، و ذلك، لأنّ التقييد إن كان منصبا على المادة، إذن فالواجب مقيّد، و إن كان منصبا على الهيئة فهو يسري إلى المادة لا محالة، لأن الواجب يتقيّد بكل قيد تقيّد به الوجوب، إذن ففي جميع الأحوال، المادة معلومة التقيّد إمّا ابتداء أو سراية.
و هذا معنى انحلال العلم الإجمالي بالتقيّد في أحدهما، و العلم التفصيلي في جانب المادة، و الشك البدوي بالتقيّد في جانب الهيئة، فيتمسّك بالإطلاق في جانب الهيئة بلا معارض.
و بتعبير آخر يقال: إن التعارض بين الإطلاقين، فرع العلم الإجمالي برجوع القيد إلى أحدهما، مع أنّ هذا العلم الإجمالي منحل إلى العلم التفصيلي بتقييد المادة، و عدم شمولها للحصة الفاقدة للقيد- أي: الصدقة قبل