بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٢ - ٣- التنبيه الثالث
معارض له، لأن إطلاق المادة معلوم السقوط تفصيلا، فيتمسك بأصالة الإطلاق في الهيئة بلا معارض.
و لكن هذا التقريب، إنما يتم إذا كان القيد المحتمل الدخل على سنخ واحد في الوجوب و الواجب.
أمّا إذا كان محتمل الدخل في الوجوب على نحو الحدوث، بمعنى أن حدوثه دخيل، و كان محتمل الدخل في الواجب على نحو الظرفية، بنحو يكون لا بدّ من إيقاع الواجب حينه، فيحصل التعارض لا محالة، و أن كلا من التقيدين حينئذ ليس معلوما، فأصالة عدم هذا التقييد تكون معارضة بأصالة عدم ذلك التقييد، هذا كله فيما إذا كان الدليل الذي دلّ على التقييد منفصلا.
و أمّا إذا كان الدليل الذي دلّ على التقييد متصلا، فهذا المقيّد المتصل، تارة يفرض أن لسانه متوجه نحو الهيئة، أو نحو المادة، لكن المكلّف لا يعلم هل أنه متوجه نحو المادة أو نحو الهيئة، و إن كان المتكلم يعلم ذلك من قبيل أن يقول، تصدّق عند قيامك، و تارة أخرى يفرض أن هذا العبد، بحسب طبعه، ليس متوجها نحو الهيئة بالخصوص، و لا إلى المادة بالخصوص، بل هو بيان لجامع التقييدين، غايته أنه بيّنه بمثل هذه العبارة، فيقول: «تصدّق و لا تجزي الصدقة قبل القيام» و عبارة «لا تجزي الصدقة قبل القيام»، كما قد يكون، لأنّ «القيام» قيد للواجب، كذلك قد يكون بلحاظ أن القيام قيد للوجوب، و كلاهما يناسب مع «عدم الإجزاء».
فهذه العبارة تدل على معنى مستقل يستلزم بطلان أحد الأمرين: إمّا الهيئة و إمّا المادة، إذن فنحن نتصور المقيّد المتصل على نحوين، فلا بدّ من الكلام على كل من هذين النحوين:
١- النحو الأول: و هو كون القيد دالا على مطلب مستقل، و ليس متجها لا إلى المادة بالخصوص، و لا إلى الهيئة بالخصوص، و حينئذ، فإن قلنا بأنّ تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادة، و أنكرنا انحلال العلم الإجمالي الذي تقدّم