بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٥ - ٣- النظرية الثالثة
جرى عليها العقلاء في مقام صياغة العالم الأول و الثاني، حيث يصوغون إراداتهم و كراهاتهم بلسان الجعل و الاعتبار، كتنظيم عقلائي بين الموالي و المكلفين. و حينئذ بناء على هذه المرحلة أيضا، يقع البحث في أن الشرط في الواجب المشروط هل هو قيد في متعلق الإلزام، أو هو قيد في الإلزام نفسه بالضبط، كما جرى هذا السؤال في عالم الملاك و الإرادة؟.
و الصحيح في المقام: أن القيد قيد في نفس الإلزام و الوجوب، و ليس في متعلقه، و قد يبرهن على هذا بمجموع أمرين:
أ- الأمر الأول: هو أن كل قيد اختياري أخذ قيدا في متعلق الإلزام، أي: في الواجب، لا بد أن يكون محرّكا نحوه من قبل ذلك الوجوب، لأن فرض كون القيد قيدا في الواجب، هو فرع فعلية الوجوب قبله، و مع فعلية الوجوب قبله، يكون الوجوب محرّكا نحو متعلقه، و متعلقه هو المقيّد، و التحريك نحو المقيّد، تحريك نحو القيد. إذن فكل قيد اختياري أخذ قيدا في الواجب، لا بدّ من كون الوجوب محرّكا نحوه.
ب- الأمر الثاني: هو أن القيود غير الاختيارية، يستحيل أن تؤخذ قيدا في الواجب، بل يجب أخذها قيدا في الوجوب، لأنها لو أخذت قيدا في الواجب للزم محركية الواجب نحوها، كما يلزم أيضا كون الوجوب فعليا قبل وجودها و قد قلنا: إنّ فعلية الوجوب مساوقة مع محركيته نحو متعلّقه، و متعلقه هو المقيّد، و التحريك نحو المقيّد تحريك نحو القيد، و قد فرض أن القيد غير اختياري، و التحريك نحو غير الاختياري غير معقول.
و بناء على هذين الأمرين نقول: إنّ الاستطاعة التي هي شرط في الواجب المشروط، لو أنها أخذت قيدا في الواجب لا في الوجوب، حينئذ فإمّا أن تكون مأخوذة قيدا في الواجب بمطلق وجودها، و إمّا أن تكون قد أخذت قيدا بوجودها الاتفاقي الغير ناشئ من الوجوب.
فإن كانت هذه الاستطاعة قد أخذت في الواجب بمطلق وجودها، إذن