بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٣ - الاعتراض الثاني
أمّا حلا: فإن قوله إنّ الشوق إلى فعل الغير لا يكون إرادة تشريعية إلّا إذا ترشح منه شوق تكويني يحرك عضلات المولى نحو تحريك العبد، و بعثه إلى ما يشتاق إليه، هذا الكلام صحيح، بمعنى أننا في المقام لا نبحث في أن الإرادة التشريعية، بحسب مفهومها اللغوي، أو العرفي، أو الفلسفي، هل هي متقومة بهذه النكتة، أو غير متقومة بها، لأن البحث ليس في مداليل الألفاظ، و لا في حقائق الأشياء، و إنما نبحث في أنه ما الذي يقع موضوعا لحكم العقل بلزوم الامتثال من أشواق المولى.
و من الواضح، أن موضوع حكم العقل بلزوم الطاعة و الامتثال، إنما هو كل شوق مؤكّد، يحرّك المولى نحو أن يطلب من العبد أن يتحرك عنه.
أمّا الشوق الذي لا يحرّك المولى نحو أن يطلب، فهو شوق لا يجب على العبد أن يتحرك عنه.
إذن، فشوق المولى إنما يصبح موضوعا لحكم العقل بلزوم الامتثال، عند ما يكون شوقا بدرجة مستتبعة لشوق من المولى، و تحرك منه نحو المقدمات المربوطة به، و هي طلبه و جعله و إنشاؤه، و ما لم يبلغ شوق المولى درجة تحرّكه نحو ما يشتاق إليه، فإن العقل لا يحكم على العبد بوجوب الطاعة و الانبعاث في وقت الواجب، لأن غاية ما تقتضيه العبودية في نظر العقل، هو أن تكون عضلات العبد و قواه كأنها عضلات المولى و قواه، لأنها امتداد للمولى، و المفروض أن المولى لم يتحرك، و حينئذ لا بدّ من البحث في أنه هل يشترط في شوق المولى المحرّك لعضلاته، و المحرّك بالتالي للعبد، هل يشترط فيه أن يكون محركا للعضلات نحو ما يكون باعثا بالإمكان من حين وجوده، أو أنّ ما تقتضيه هذه النكتة، هو أن يكون الشوق محركا للمولى نحو ما يصدق عليه أنه من مقدمات وجود المطلوب خارجا؟.
و من الواضح أن هذه النكتة غاية ما تقتضيه هو أن المولى يتحرك من ناحية هذا الشوق للإتيان ببعض مقدمات وجود المشتاق إليه.