بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٢ - الاعتراض الثاني
من لوازم الإرادة التشريعية، إيجاد الباعث الفعلي، للزم أن يكون هناك انبعاث فعلي أيضا، مع أنه من الواضح، أنه ليس من لوازم الإرادة التشريعية الانبعاث الفعلي، كما هو الحال في حق العصاة الذين لا ينبعثون بالفعل، رغم بعث المولى لهم نحو الفعل بإرادته التشريعية.
إذن فالمقصود بإيجاد الباعث من المولى، هو ما يمكن أن يكون باعثا للمكلّف، و هذا ما يمكن أن يكون لازما للإرادة التشريعية، و هذا ما يكون مساوقا للانبعاث بالإمكان، أي: إمكان أن ينبعث العبد.
فالنتيجة: إنّ الإرادة التشريعية، حتى تكون إرادة تشريعية، لا بدّ و أن تستتبع إيجاد الباعث بالإمكان من قبل المولى.
و حينئذ هذه النتيجة نطبّقها على الواجب المعلّق فنقول: إنّ المولى إذا جعل الوجوب من أول الغروب، و كان متعلّق الوجوب هو «الصوم» المقيّد «بطلوع الفجر»، فحينئذ نقول: إنّ الوجوب لا يعقل أن يكون فعليا، كما أن الإرادة التشريعية لا يعقل [١] وجودها من حين الغروب، و ذلك لأن الإرادة التشريعية متقومة بإيجاد الباعث بالإمكان، بينما خطاب المولى عند الغروب لا يمكن أن يكون باعثا، إذ لا يمكن الانبعاث حينذاك، فلو فرض أن المكلّف كان منقادا، و أراد أن ينبعث فعلا، فلا يمكنه أن ينبعث، و ما دام الانبعاث مستحيلا فالباعث مستحيل مثله، إذ قد ذكرنا أنه من خصائص الإرادة التشريعية، هو إيجاد الباعث بالإمكان، و ما دام أنه لا يوجد الباعث بالإمكان، فلا توجد الإرادة التشريعية [٢]، و هذا البرهان من التقريب الثاني، غير تام حلا و نقضا.
[١] الظاهر أن وجود الإرادة التشريعية و عدمه على هذا المبنى من حين الغروب على حد سواء، ما دام إن الوجوب لا يعقل أن يكون فعليا، و لا باعثا بالفعل، و إنما بوجود الباعث بالإمكان، و مع عدم الانبعاث ينعدم الباعث (المقرر).
[٢] نهاية الدراية: ج ١ ص ٣٠٤- ٣٠٥- ٣٠٦.