بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٢ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
بمقتضى البرهان الأول و الرابع، لأنهما يشتركان في إثبات امتناع مانعيّة الضد، حيث أن وجوده يكون في طول مانعيّة مقتضيه.
و إنّ شئت قلت: إنّ تقريب الدور يرتفع حتما مطلقا في صيغة البرهان الثاني حيث يقال: بأنّ وجود البياض يتوقف على عدم بقاء السواد، فيما لا يتوقف بقاء السواد على عدم حدوث البياض، ليلزم الدور بصيغة البرهان الثاني، أو البرهان السابع، فإنّ وجود البياض يتوقف على عدم السواد، باعتبار أنّ السواد مانع عن البياض، فمثلا في إشكال الدور، كنّا نقول: بأن السواد- المانع نفسه- متوقف على عدم ممنوعه، لأنّ فرض وجوده هو فرض عدم ممنوعه قبله، حينئذ، كنّا نسأل أنه عمّا ذا يمنع؟. و هذا لا يأتي هنا، لأنّ المانع هو السواد بقاء، و هو غير موقوف على عدم حدوث البياض، لأنّ المفروض أن المانع هو الضد الموجود و ليس المعدوم.
إذن فهذا الضد الموجود و هو السواد، يمنع عن البياض، و لا يكون متوقفا على عدم البياض كي يلزم الدور.
إذن فإشكال الدور يرتفع في المقام. و كنّا نقول في البرهان الرابع: إنّ استحالة اجتماع الضدين ذاتيّة، لأنّ الضد إنّ كان يمنع عن وجود الضد الآخر في ظرف عدمه، فهذا غير معقول، و إنّ كان يمنع عنه في ظرف وجوده، فهو غير معقول أيضا، لأن ظرف وجود أحد الضدين بما هو ظرف هذا الضد، هو ظرف للامتناع الذاتي، لوجود ذاك الضد، فتستحيل فيه العليّة المساوقة للامتناع بالغير.
و هذا هو نفسه يأتي هنا فيقال: بأنّ هذا السواد بوجوده البقائي، إن كان يمنع عن حدوث البياض، حال ارتفاعه، فهو غير معقول، لأنّه يلزم منه مانعيّة حال عدمه و هو مستحيل، و إن كان هذا السواد بوجوده البقائي، يمنع عن حدوث البياض معه، فهذه المانعيّة منوطة بفعليّة و وجود السواد، و المفروض أن الظرف الذي فرغ فيه عن وجود أحد الضدين بما هو كذلك، يمتنع أن يوجد فيه الآخر ذاتا، إذن فلا يعقل أن يكون علة لمنعه حينئذ.