بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣١ - الجهة الخامسة المقدمة الموصلة
و ليست كالأحكام الشرعية، جعول و إنشاءات بيد الجاعل، فإذا كانت حيثيّة «التأديب» مقتضية «لحسن الضرب». فلا معنى لافتراض أن موضوع هذا الحكم النفس الأمري هو «الضرب دون «التأديب» و ذلك ببرهان أنه: إمّا أن يكون الموضوع هو «الضرب» فقط، أو هو «الضرب مع التأديب»، أو «التأديب» فقط، و الأول غير معقول، إذ «التأديب» بعد أن كان هو ملاك «الحسن» كان أولى به من فاقده، فإن واجد الشيء يعطيه لا فاقده، و الثاني خلف المفروض، إذ معناه، أن هناك حكمين عقليين على موضوعين حيثيين تقييديين، و ينتفي الثالث. و هو أن تكون حيثيّة «التأديب» هي موضوع الحكم العقلي.
و هذا بخلاف الأحكام الشرعية المجعولة، فإنها ربّما تجعل لا على حيثياتها التعليلية، كجعل الوجوب على الصلاة لكونها ناهية عن الفحشاء و المنكر، باعتبار عدم كون تلك الحيثيّة عرفيّة، أو عدم كون مصداقها متعينا له، أو غير ذلك من الموجبات التي تقدّمت في بحث الفرق بين الواجب النفسي و الغيري.
و كذلك القضايا العقلية النظرية في غير التشريعيات، فإن الحيثيّات التعليلية التي على أساسها أدرك العقل تلك القضايا ربّما تكون واسطة في الثبوت فقط، و ربّما تكون واسطة في العروض و حيثيّة تقييدية.
و هذا إنما يتعقّل هنا مع كونها أيضا كأحكام العقل العملي، أمورا لا جعليّة، باعتبار أنها أمور تكوينيّة وجودية، إذ قد تكون الحيثيّة العلّة هي معروض الحكم، و قد لا تكون معروضة للحكم، و إنما هي مجرد علة لإيجاده في معروض الحكم.
و هذا بخلاف الأحكام العملية، فإنها ليست وجودية خارجية، و إنما هي من نوع الإمكان و الاستحالة، فلا معنى لافتراض كونها موجبة لعروض الحكم على وجود آخر غيرها، إذ ليست هي مقدمات وجودية.