بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٣ - الجهة الخامسة المقدمة الموصلة
و البعث إليه- يكفي أن يكون صادرا عن قدرة العبد و التفاته، بمعنى عدم غفلته و جهله المركّب، فلو أنّ المكلّف ضرب شخصا بقصد إظهار قوته أمام الناس، و هو ملتفت إلى أنه سيؤدي إلى قتله، كان القتل الصادر اختياريا، و لو لم يكن من قصده القتل، بل كان قصده عنوانا آخر، إذن لا يشترط قصد العنوان في الاختيارية.
و عليه، فلو جاء المكلّف بالمقدّمة، بقصد آخر غير التوصل، و هو ملتفت إلى أنّه سوف ينقدح جزما، أو احتمالا في نفسه، بعد ذلك، أنه إنّما أراد فعل ذيها، كانت المقدّمة الموصلة اختيارية، و لو لم يكن لفاعلها قصد التوصل حينها.
و رابعا: لو سلّم باشتراط قصد العنوان و إرادته في وقوعه اختياريا، مع ذلك نقول: بأنه يكفي في انطباق هذا التكليف، أن يكون المعنون صادرا عن اختيار المكلّف و قصده، طالما يكون انطباق العنوان الواجب عليه قهريا، كما لو لم يكن من العناوين القصدية، كالاحترام و التعظيم، فلو صدرت المقدّمة من المكلّف، لا بقصد الإيصال، و لكنها كانت موصلة واقعا، كانت مصداقا للواجب، لكونها مصداقا للموصل لا محالة، و لو لم يكن انطباق عنوان الموصل، باختياره و قصده، إذ إنّه ليس بلازم، ما دام أن المعنون بقصده و اختياره و لو بعنوان آخر، و كان بإمكانه أن يقصده بذلك العنوان الواجب.
و لذلك لا يستشكل أحد في وقوع الواجب التوصلي، و لو جيء به بغير العنوان الذي به وجب إذا لم يكن من العناوين القصدية، كما إذا أزال النجاسة عن المسجد بعنوان التجمل لا بعنوان التطهير.
و خامسا، لو أننا سلّمنا بجميع ما يتوقف عليه التقريب المذكور، فإنه مع ذلك لا تثبت مقالة الشيخ الأعظم (قده)، و إنما تثبت مقالة أخرى، هي القول باختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة مع قصد التوصل بها، و هو، كما ترى، جمع بين قيدي قصد التوصل و الموصليّة، و هذا جمع بين مقالتي الشيخ الأعظم (قده)، و صاحب الفصول (قده) و ليس هو مدّعى الشيخ