النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٨٧ - المسألة ١٣٥
باب الندبة
المسألة ١٣٥:
النّدبة
يتّضح معناها مما يأتى:
١-قيل لأعرابىّ: «مات اليوم عثمان بن عفان... » فصرخ: (وا عثمان، وا عثمان. أثابك اللّه و أرضاك؛ فلقد كنت عامر القلب بالإيمان، شديد الحرص على دينك، بارّا بالفقراء، مقنّعا بالحياء... )
٢-و قيل لعمر-رضى اللّه عنه-: أصابنا جدب شديد... فصاح:
وا عمراه، وا عمراه.
٣-و قيل لفتى يتأوه: ما بك؟فأمسك رأسه، و قال: وا رأسى.
و قيل لآخر: مالك تضع يدك على كبدك؟فردد قول الشاعر:
فواكبدا من حبّ من لا يحبنى # و من عبرات ما لهن فناء
٤-و سئل غنىّ افتقر: أين أعوانك و خدامك و المحيطون بك؟فقال فى أسف و حرارة: وا فقراه.
ففى الأمثلة السابقة أساليب نوع من النداء يسمى: «النّدبة» ؛ و منه:
وا عثمان-وا عمراه-وا رأسى-وا كبدا-وا فقراه... و يقولون فى تعريفها:
(إنها نداء موجّه للمتفجّع عليه، أو للمتوجّع منه [١] ) . يريدون بالمتفجع عليه:
من أصابته المنية، فحملت الناس على إظهار الحزن، و قلة الصبر؛ سواء أكانت الفجيعة حقيقية كالتى فى المثال الأول: «وا عثمان» ، أم حكميّة كالتى فى المثال الثانى: «وا عمراه» فإن عمر حين قال ذلك كان حيّا، و لكنه بمنزلة من أصابه الموت؛ لشدة الألم، و الهول الذى حلّ به [٢] .
[١] سبقت إشارة لهذا فى رقم ١ من هامش ص ٢.
[٢] و مما يصلح للفجيعة الحكمية النداء المجازى فى مثل قول المعرى:
فوا عجبا، كم يدّعى الفضل ناقص # و وا أسفا كم يظهر النقص فاضل
فهو يندب العجب و الأسف، و كأن كلا منهما قد مات فى وقت اشتداد الحاجة إليه. و يشترط فى هذه الصورة أن تكون الندبة للعجب نفسه، و كذا للأسف من غير إضافتهما لياء المتكلم المنقلبة ألفا، و إلا كانت هذه الألف ليست للندبة-كما سيجىء فى رقم ٤ من ص ٩١ و فى رقم ١ من ص ٩٧-
غ