النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٨٤ - المسألة ١٣٤
المسألة ١٣٤:
النداء المقصود به التعجب.
أسلوبه:
راقب أحد الشعراء البدر فى ليلة صافية، فبهره جماله، و تمام استدارته.
و لطف حركته... فأعلن إعجابه و إكباره بقصيدة مطلعها:
يا للبدور، و يا للحسن؛ قد سلبا # منى الفؤاد؛ فأمسى أمره عجبا
و راقب آخر الشمس ساعة غروبها، و ما ينتابها من صفرة، و تغير، و اختفاء؛ فامتلأت نفسه بفيض من الخواطر سجله فى قصيدة منها:
يا للغروب، و ما به من عبرة # للمستهام، و عبرة للرّاءى
أو ليس نزعا للنهار، و صرعة # للشمس بين جنازة الأضواء؟
و تكشّف يوم من أيام الربيع الباسمة عن صباح عاصف، متجهم، قارس، فقال أحد الشعراء أرجوزة مطلعها:
يا لصباح أغبر الأديم # قد طعن الربيع فى الصميم
فهذه الأساليب: (يا للبدور-يا للحسن-يا للغروب-يا لصباح...
و أشباهها) قد توهم فى مظهرها اللفظى و هيئتها الشكلية أنها أساليب استغاثة؛ -كالتى مرت فى الباب السّالف [١] -لاشتمالها على حرف النداء: «يا» ، و على منادى مجرور باللام المفتوحة. و لكنها فى حقيقتها ليست باستغاثة؛ لخلوها-فى الغالب- من السمتغاث به الذى يوجّه له النداء حقيقة [٢] ، لا مجازا، و مما يصلح أن يكون مستغاثا حقيقيّا، (لا مجازيا) ، و لأنّ المتكلم لا يطلب التخلص من شدة واقعة، و لا دفع مكروه متوقّع. و إنما هى أساليب نداء؛ أريد بها التعجب من ذات شىء، أو كثرته، أو شدته، أو أمر غريب فيه، أو غرض آخر مما سنبينه؛ فهى نداء خرج عن معناه الأصلى إلى هذا الغرض الجديد، و جاءت صورته الشكلية على صورة الاستغاثة، دون أن يكون منها فى المعنى و المراد.
و قد ينادى العجب نفسه-مجازا-للمبالغة فى التّعجب؛ فيقال:
يا عجب-يا للعجب-يا عجبا للعاقّ-.
[١] ص ٧٦.
[٢] الأصل فى النداء الحقيقى أن يكون موجها لعاقل، و إلا فهو نداء مجازى لداع بلاغى. (طبقا للبيان الذى فى جـ ص ٥) .