النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٧٤ - المسألة ١٤٣
النحاة، و حجته الاكتفاء بوجود الفتحة الدالة عليها-لأن هذا الحذف الخطّى قد يوقع فى لبس أو احتمال، يحسن الفرار منهما.
و أفضل من كل ما سبق تحريكها بالكسر إذا وليها ساكن. و هذا رأى فريق آخر من النحاة، و حجته: أن الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر [١] ، و أن الكسر هنا أخفّ و أبعد من اللبس؛ فوق أنه مسموع فى بعض أمثلة قليلة؛ لكنها على قلتها مسايرة للأصل العام السالف.
و هذا الرأى-على قلة أنصاره-أفضل كما قلنا، لبعده عن شائبة اللبس
[١] قال شارح المفصل (جـ ٩ ص ١٢٧) ما نصه: (''اعلم أن الأصل فى كل ساكنين التقيا أن يحرك الأول منهما بالكسر؛ نحو: بغت الأمة، و قامت الجارية، و لا يعدل عن هذا الأصل إلا لعلة... '')
و لم يذكر هو و لا غيره من المتمسكين بحذفها تعليلا مقبولا لحذف نون التوكيد الخفيفة التى يليها ساكن، و لا لخروجها على الأصل العام. بل إن حذفها قد يؤدى إلى لبس محقق فى حالات متعددة؛ منها: المضارع المؤكد بالنون، المعطوف على مضارع آخر كذلك، مسبوق، بلا الناهية، مثل:
لا تهملن و تلعب الساعة. فما نوع الفتحة التى على المضارع «تلعب» ؟أهى فتحة بناء بسبب نون التوكيد المحذوفة، و الواو للعطف المجرد الذى لا أثر له فى المعية، و لا فى البناء أيضا-من باب أولى، لما هو هو معروف من أن العطف المبنى لا يجلب البناء للمعطوف مطلقا-أم هى فتحة إعراب، و الواو للعطف و المعية معا؟لا قرينة تمنع أحد الاحتمالين بالرغم من اختلاف المعنى اختلافا واسعا بينهما.
حالة أخرى: هى الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف إذا أريد توكيده بالنون الخفيفة مع جزمه بلا الناهية، فى مثل: لا تخشين الأذى فى سبيل الحق... فلو حذفنا النون لالتقاء الساكنين و تركنا الفتحة قبلها دليلا عليها، لصار الكلام: لا تخشى الأذى فى سبيل الحق. و ترك هذه الياء-المتطرفة، المتحركة، التى قبلها فتحة، -من غير قلبها ألفا، مخالف للضوابط اللغوية الأساسية. كما أن قلبها ألفا، عملا بتلك الضوابط يؤدى إلى أن نقول: لا تخشى الأذى (بألف مكتوبة ياء) فنقع فى محذور؛ هو تلاقى الساكنين الذى يقتضينا أن نتخلص منه بحذف ألف العلة من آخر الفعل، و هذا الحذف يؤدى إلى لبس لا دليل معه على أن الفعل مؤكد فى أصله. و عدم التخلص منه يؤدى أيضا إلى لبس؛ هو: اعتبار «لا» نافية، و ليست ناهية.
لما سبق-و غيره-كان «ياسين» فى حاشيته على التصريح محقا حين قال ما نصه عن التقاء نون التوكيد الخفيفة بساكن فى الصورة السالفة: '' (هلا حركت و أبقيت كغيرها من الحروف إذا كانت ساكنة، و لقيت ساكنا؟. قلت: أشار السعد فى شرح التصريف إلى أن السبب أن تحريكها خلاف وضعها من السكون. و أقول فحينئذ ما الفرق بينها و بين غيرها مما وضع ساكنا؛ كمن، و عن؟فتأمل) ''. اهـ.
فموضوع سؤاله صحيح دقيق، لمسايرته للأصل العام فى التقاء الساكنين، و الإجابة عنه جدلية محضة.
و كان حقها أن تؤيّد بالسماع الذى له القول الفصل؛ و لهذا جاءت واهية متداعية، و قد دفعها بسؤال آخر هدمها و أبادها.