النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٢٠ - المسألة ١٤٩
الفعل بصيغة الماضى، و لكنه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال [١] الماضية التى ترشد إليها القرينة-بالطريقة التى شرحناها [٢] ...
و فى هذه الصورة التى يكون فيها زمن المضارع حالا ماضية و لكنها مؤولة-يجب رفعه و تكون «حتى» ابتدائية؛ كما وجب رفعه فى الزمن الحالى حقيقة و كانت فيه «حتى» ابتدائية أيضا. و من أمثلة الحال الماضية المؤولة أن يقول أحدنا اليوم (هذا زهير الشاعر الجاهلى، يراجع قصيدته حتى تجود بعد حول فى مراجعتها؛ فيذيعها، و لذا تسمى قصائده: «الحوليات» ... ) فمعنى المضارع-و هو الجودة بعد الحول-أمر فات حقّا قبل النطق بكلمة: «حتى» و بجملتها. كفوات المراجعة. و زمن الأمرين فى حقيقته ماض، و لكن التحدث عنهما بصورة المضارع-قصد به حكاية ما مضى، و إرجاع ما فات، على تخيل أنه يقع الآن-فى وقت الكلام-أو على تخيل أن المتكلم قد ترك زمانه الذى يعيش فيه، و رجع إلى الزمن السالف الذى يتحقق فيه المعنى أمامه، و كأنه من أهل ذلك العصر القديم. و وجود الرفع هنا يعتبر الدليل على الحكاية [٣] ، و على ما يترتب عليها من أثر معنوى.
و يسمى هذا الاتجاه: «حكاية الحال الماضية» ، أى: إعادة حالة سبقت و حادثة وقعت، و ترديد قصتها وقت الكلام، و كأنها تحصل أول مرة ساعة النطق بها، مع أنها-فى حقيقة الأمر-قد حصلت من قبل، و انتهى أمرها قبل ترديدها.
و هذه هى الصورة الغالبة فى الحكاية.
و الغرض من «حكاية الحال الماضية» هو الإشعار بأهمية القصة، و بصحة ما تضمنته من معنى قبل «حتى» و بعدها؛ لادّعاء أنها تقع الآن-فى وقت الكلام-و أن ما بعد «حتى» مسبب عما قبلها، و غاية له، فيثور الشوق إلى سماعها و يمتزج السامع بجوها.
[١] أى: الحالة، أو: الحادثة.
[٢] فى هامش ص ٣١٤. و هناك-و كذا فى ص ٣٢٧-العلامة التى تدل على أن الماضى محكى الدلالة الزمنية.
[٣] فى هامش الصفحة التالية ما يزيد «حكاية الحال الماضية» وضوحا. أما أثرها المعنوى الذى ذكرناه فيزداد بيانا بما فى هامش ص ٣٢٦.