النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٠٤ - المسألة ١٤٩
و إذا كان الفعل المنفى قبل اللام فعل «كون» غير ناقص لم يصح اعتبارها لام جحود، و وجب توجيهها لشىء آخر، و يكثر أن يكون هو «التعليل» أيضا على الوجه السالف؛ نحو: ما كان الحاكم ليظلم؛ بمعنى: ما وجد الحاكم ليظلم.
فالشأن فى «كان» هنا كالشأن فى كل فعل غير ناسخ يحل محلها من ناحية أن الجار و المجرور منفيان حتما أو يتعلقان به؛ فيصير مقيدا بهما؛ و يصير معناه بسبب النفى الواقع عليه غير مطلق، و إنما هو مقيد بحالة معينة دون غيرها. أما غيرها فمسكوت عنه يحتاج لقرينة خارجة عن الجملة، تبين أمره نفيا و عدم نفى، و القيد (الجارّ و المجرور المتعلقان به) منفى حتما. فكأن الناطق بهذا المثال يقول:
ما كان الحاكم (أى: ما وجد و ظهر الحاكم) الذى يكون سبب وجوده، و علة ظهوره: الظلم. فسبب الوجود و علته هو: الظلم، و الظلم منفى، فالمسبب عنه منفى لا محالة. أو الجار و المجرور متعلقان بالفعل، فهما قيد له... و... و فى هذا المثال لا يصح اعتبار اللام «للجحود» ؛ لأن هذا يؤدى إلى مخالفة الواقع الذى يدل على أن كثيرا من الحكام ظالمون.
و من الأمثلة السالفة و أشباهها يتبين أن النفى قبل لام التعليل ينصبّ على الفعل الذى قبلها فى حالة واحدة؛ هى التى يكون فيها مقيدا بهذه اللام الجارة و مجرورها، و ليس مطلقا من التقييد، و أن هذا النفى ينصب على ما بعدها دائما (أى: على القيد) .
فإذا كان الفعل غير مسبوق بنفى لم تكن اللام للجحود.
و إذا كان الفعل ناسخا غير «كون» لم تصلح اللام للجحود-كما تقدم-فى أصح الآراء؛ فلا يقال: ما أصبح محمد ليهمل عمله، و لم يصبح محمود ليهين غيره...
و ما ظننت الأمة الناهضة لتسىء إلى علمائها، و لم أظن الشعوب القوية لتركن إلى الراحة... قال أبو حيان: «كل هذه التراكيب فاسدة؛ إذ لم يسمع لها نظير فى كلام العرب، فوجب منعها و ردّها» .
(جـ) يتردد هنا-و فى الأبواب الأخرى-لفظ: «لام التعليل» ، و «لام الجحود» فما الفارق الدقيق بينهما؛ بحيث تتميز إحداهما من الأخرى بغير غموض و لا خفاء؟
الفارق بينهما ما أسلفناه من أن لكل واحدة منهما معنى يخالف معنى الأخرى؛ فلام الجحود تفيد النفى العامّ؛ و لام التعليل تفيد التعليل (أى: أن ما بعدها