النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٧٢ - المسألة ١٥٠
جوابا و جزاء للنهى مباشرة، معتمدا فى فهم المراد و تعيينه على القرائن؛ مثل: لا تقترب من النار تحترق... بجزم المضارع: «تحترق» و اعتبار الجملة المضارعية هى الجواب و الجزاء بغير تأويل و لا تقدير [١] . و قد مال بعض النحاة القدامى إلى هذا الرأى، و إلى الأخذ به فى أنواع الطلب المختلفة (نهيا و غير نهى) و لعل الدافع لهذا الميل هو التيسير، و أن الناس يستعملونه فلا يخفى المراد منه مع قيام القرينة الحاسمة. و لكن الرأى
[١] و يؤيد رأيه أيضا بقراءة من قرأ قوله تعالى: (وَ لاََ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) بجزم المضارع «تستكثر» على معنى: تظهر كثرة نعمك على غيرك... و قوله عليه السّلام فى شجرة الثوم: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا هذا، يؤذنا) بجزم المضارع «يؤذ» بحذف الياء من آخره. و قول أحاد الصحابة يخاطب الرسول فى أثناء موقعة: (يا رسول اللّه. لا تشرف، يصبك سهم. ) بجزم المضارع «يصب» . فالأفعال المضارعة فى النصوص السالفة مجزومة مع عدم استقامة المعنى بوضع «إن» الشرطية تليها «لا» النافية، بدلا من «لا» الناهية.
أما الذين يتمسكون (بإن، و... ) فيعربون تلك الأفعال المجزومة إعرابا آخر؛ فيقولون: «تسنكثر» مجزومة فى جواب الطلب مباشرة، و لكن على اعتبار أن المعنى هو: لا تمنن؛ فيترتب على عدم المن أنك تطلب من اللّه كثرة النعم و زيادة الثواب؛ فالاستكثار بهذا المعنى ليس معيبا و لا منهيا عنه. أو أن الفعل «تستكثر» مجزوما لأنه بدل من الفعل: تمنن. فالمعنى لا تمنن... أى: لا تستكثر ما أنعمت به...
و كذلك يقولون فى المضارع.. «يؤذ» ، إنه بدل من المضارع: يقرب، أى: لا يؤذنا، أما المثال الأخير:
(يصب) فيحكمون عليه بالشذوذ؛ إذ لا يجدون له تأويلا سائغا.
و فيما يلى بعض أمثلة للنهى يستقيم فيها المعنى على تخيل «إن» و إحلالها مع «لا» النافية بالطريقة التى سلفت محل «لا» الناهية، و جزم المضارع فى الجواب.. و أمثلة أخرى لا يستقيم فيها المعنى على تخيلهما.
ا-فمن الأولى:
لا تهمل يشتهر أمرك بالإجادة-إلاّ تهمل يشتهر أمرك...
لا تفش أسرار الناس تكتسب ودهم-إلا تفش... تكتسب...
لا تسرق تحترم-إلاّ تسرق تحترم.
لا ترفع صوتك تحسن-إلاّ ترفع صوتك تحسن.
لا تصافح المريض تسلم-إلاّ تصافح المريض تسلم.
ب-و من الثانية:
لا تهمل يخمل شأنك-إلاّ تهمل يخمل شأنك.
لا تفش أسرار الناس تفقد و دهم-إلا تفش أسرار الناس تفقد ودهم.
لا تسرق تعاقب-إلا تسرق تعاقب.
لا ترفع صوتك يزعج السامعين-إلا ترفع صوتك يزعج السامعين.
لا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه-إلا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه.