النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣١٥ - المسألة ١٤٩
و الكلام عليها-هنا-يتجه إلى ناحية معناها، و عملها، و حكم المضارع بعدها.
(ا) فأما معناها فالدلالة على «الغاية» ، أو: على «التعليل» ، أو: على «الاستثناء»
فتدل على الغاية إذا كان المعنى بعدها نهاية لمعنى قبلها ينقضى تدريجا، لا دفعة واحدة، و لا سريعا، و يترتب على تحقق المعنى الذى بعدها أن ينقطع المعنى السابق فورا، و أن يتوقف بمجرد تحقق اللاحق و حصوله؛ نحو: (يمتد الليل حتى يطلع الفجر) - (يزداد الحرّ نهار الصيف حتى تغيب الشمس، و يزداد البرد ليل الشتاء حتى تشرق) - (يسرع القطار حتى يدخل المحطة، و الطائرة حتى تدخل حظيرتها) ... فامتداد الليل يستمر تدريجا إلى أن يظهر الفجر، و عند ظهوره ينقطع الامتداد و يختفى. و ازدياد الحر يدوم إلى أن تختفى الشمس، و متى اختفت انقطع الازدياد و توقف... و هكذا بقية الأمثلة و نظائرها مما تقع فيه:
«حتى» دالة على الغاية (أى: على نهاية المعنى الذى قبلها، و انقطاعه، بسبب ظهور معنى جديد بعدها، و ابتداء حصوله و تحققه) ، و لذا يسمونها:
«حتى الغائية» أو: «حتى التى بمعنى: إلى» ؛ لدلالة كل واحدة منهما على
ق--يقيم الفراعنة المصريون القدماء مسلات ضخمة، حتى يكتبون على جوانبها تاريخهم، و مآثرهم. أى:
حتى كتبوا. و مثال الحال المؤولة عن المستقبل: يأتى الشتاء فى الشهر القادم؛ و ها هو ذا المطر ينهمر.
و يشتد البرد حتى ترتجف منه أعضائى. و مثال الحال الحقيقة-: أقف الآن على شاطىء البحر و الشمس منحدرة إلى مغربها حتى أتابع منظر غروبها-هذه الوردة فى يدى أرقبها و أشمها، حتى أتمتع بلونها و بطيب رائحتها-فمتابعة الغروب تتحقق فى الزمن الذى ينطق فيه المتكلم بالجملة المشتملة على «حتى» ؛ فزمنهما واحد هو: الحال. كذلك التمتع بطيب الوردة و لونها؛ يقع فى الزمن الذى يقع فيه النطق بالجملة المشتملة على «حتى» و هو الزمن الحالى. و فى هذه الأمثلة و أشباهها تعرب «حتى» حرف ابتداء يدل على «الغاية» و الجملة بعدها مستقلة فى إعرابها لا فى معناها. -و قد شرحنا معنى الغاية هنا.
ثالثها: «حتى» الجارة، و هى نوعان؛ نوع يجر الاسم الظاهر الصريح (و الظاهر: ما ليس ضميرا، و الصريح-: ما ليس مصدرا مؤولا) و معناها الدلالة على الغاية: نحو: قرأت الكتاب حتى الخاتمة.
و لا شأن لنا بهذا النوع هنا، - (فقد سبق الكلام عليه فى الجزء الثانى، باب حروف الجر، م ٩٠) و نوع يجر المصدر المؤول من «أن» المضمرة وجوبا و ما دخلت عليه من جملة مضارعية. و معناها: إما الدلالة على الغاية، و إما الدلالة على التعليل، و إما الدلالة على الاستثناء. و النوع الجار للمصدر المؤول هو موضوع كلامنا الآن.
«ملاحظة» : يصح حذف ما دخلت عليه «حتى» مهما كان نوعها بشرط ألا يكون اسما صريحا مجرورا بها. و من الأمثلة قول الشاعر و قد ذهب لزيارة شخص:
فلما لم أجدك فدتك نفسى # رجعت بحسرة و صبرت حتى...
يريد: حتى يأذن اللّه-مثلا-