النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٣٢ - المسألة ١٦٨
و الصفح عن بوادرك. فكم مرة هفوت فأغضيت، و كم إساءة نالتنى فغفرت، و كم إخوان أبعدتهم عنك فقربتهم منك، و أرجعتهم إليك... فهل تنسى هذا أو تتناساه؟» .
فكلمة: «كم» وحدها-قبل وضعها فى شىء من الكلام السابق، مبهمة (أى: لا تدل على حقيقة المعدود و جنسه، و لا على مقداره و كميته) ؛ إذ لا يدرى السامع المراد: أهو: كم يوم، أم كم رجل، أم كم إساءة... أهو كثير أم قليل... فلما ذكر الاسم المجرور بعدها أزال عنها الإبهام، و كشف الغموض عن المعدود، فبيّن حقيقته و جنسه، و أوضح كمّيته بما يدل على أنها كثيرة. فكأنه يقول: مرات كثيرة-إساءات كثيرة-إخوان كثيرون. و مثله قول الشاعر:
و كم ذنب مولّده دلال # و كم بعد مولده اقتراب
فلا بدّ لإزالة الإبهام عنها من تمييز بعدها يوضح جنس المراد منها، و مقداره.
و لا يصح أن يجىء بعد التمييز بدل مقرون بهمزة الاستفهام [١] ، و المبدل منه هو:
«كم» ، إذ لا دخل للاستفهام هنا مطلقا.
و بسبب أن الإخبار بها يرمى إلى كثرة المعدود وجب أن يكون هذا الإخبار عن شىء مضى؛ لأن الذى مضى قد بان جنسه و كميته؛ فيمكن الحكم عليها بالكثرة، و الإخبار بهذا الحكم، أما الذى لم يمض فمجهول الجنس و المقدار غالبا؛ و من ثمّ كان الدافع إلى استعمال «كم الخبرية» هو الافتخار و المدح بكثرة شىء محبوب، أو الذم بكثرة شىء معيب.
أحكامها:
١-وجوب صدارتها فى جملتها، إلا حين تكون مجرورة بحرف جر، أو بإضافة، نحو: للّه أنت!!فإلى كم عمل نافع سارعت؛ فحمد الناس إسراعك. و عند كم عقبة فى طريقه وقفت لتذليلها؛ فأكبر العارفون شأنك.
٢-صحة عودة الضمير إليها إما مفردا مذكرا، مراعاة للفظها، و إما مطابقا لمعناها؛ مراعاة لما يحتمله مدلولها... [٢] . و الأفصح مراعاة تمييزها،
[١] انظر «هـ» ص ٥٣٥.
[٢] مثل الضمير غيره مما يحتاج لمطابقة. و يوضح هذا الحكم ما سبق فى نظيرتها. (رقم ٣ ص ٥٢٩) .