النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٢١ - المسألة ١٤٩
و من الأمثلة أيضا: انظر إلى الفراعين يبنون قبورهم فى حياتهم منحوتة فى الصخر الأصم حتى تستريح نفوسهم لصلابتها و قوتها، و ربما أخفوها حتى يأمنون الأيدى العابثة بها... ) فزمن بناء القبور قد انتهى و انقضى، و كذلك الاستراحة، و الإخفاء، و الأمن... فكان المناسب ذكر هذه المعانى بصيغة الماضى لا المضارع. و لكن جىء بالمضارع على سبيل «حكاية الحال الماضية» ؛ ليكون من وراء ذلك توجيه الأنظار إلى هذه القصة الهامة العجيبة، و أنها صحيحة؛ كأنها تقع الآن أمامنا بما يلابسها من غرائب، و كأن المتكلم يطلب إلى السامع التنبه إلى ما يحيط بها، و أن يستعيد صورتها كاملة و يعيش-ساعة سماعها-فى جوّ يشابه الجو الحقيقى الذى ولدت فيه أول أمرها، دون الاكتفاء بالسماع المجرد. أو يريد منه أن ينتقل بخياله إلى العصر الحقيقى الذى وجدت فيه، ليشاهد نشأتها، و تحققها هناك. فالتعبير عن القصة الماضية بصيغة المضارع و «الحال المحكية» يجعل القصة الماضية بمنزلة ما يحصل أمامنا الآن، أو يجعلنا بمنزلة من تقدم بهم الزمان فشاهدوها فى وقتها الحقيقى السالف. و الأمران على سبيل التخيل المحض، و لهذا يعتبر زمن المضارع حاليّا تأويلا [١] ، لا حقيقة، و يجب رفعه مراعاة لهذه الحالية التأويلية. و لا بد فى حكاية
[١] راجع جـ ٢ من الصبان و الخضرى، باب: «إعمال اسم الفاعل» ؛ حيث بيان الأمرين، طريقتى الحال الماضية. و نزيدهما وضوحا؛ فنقول: إذا كان المعنى الذى بعد «حتى» قد وقع و انتهى زمنه قبل النطق بالجملة التى تشتمل عليها، و أريد التعبير عنه فالتعبير بالفعل الماضى هو المناسب له، و الأليق. غير أن هناك بعض دواع بلاغية و معنوية أوضحناها تدعو-أحيانا-إلى ترك التعبير بالماضى و إلى العدول عنه للمضارع الذى يقوم-مع القرينة-مقامه تأويلا و تنزيلا. و هذا يسمى: «حكاية الحال الماضية» . و تقوم على أحد اعتبارين.
أولهما: تخيل المتكلم أن المعنى الماضى الذى حصل و تحقق قبل النطق بالكلام-لم يحصل و لم يتحقق فيما مضى، و إنما يحصل و يتحقق وقت الكلام، أى: فى الزمن الحالى؛ فكأن هذا المعنى يحصل و يتحقق أمامه الآن؛ لهذا يعبر عنه بفعل مضارع يدل على الحال.
و ثانيهما: أن يتخيل-أيضا-أنه لا يعيش فى الزمن الذى يتكلم فيه، إنما رجع به زمنه إلى الوراء؛ و نقله من عصره الحاضر القائم إلى عصر مضى، و وقع فيه ذلك المعنى، فكأن المعنى يقع أمامه و يتحقق فى الزمن الذى ينطق و يتكلم فيه بذلك المعنى؛ و هو: «الحال» و يجىء بالمضارع ليعبر عن هذا المعنى، و زمنه، بدلا من الماضى.
فحكاية الحال الماضية قائمة تخيلا؛ إما: على تقديم المتكلم و نقله من زمنه الذى يعيش فيه إلى زمن سبق، و تحقق فيه المعنى، و إما: على تأخير زمن المعنى إلى عصر المتكلم. و فى الحالتين يستعمل المضارع بدل الماضى؛ للدلالة على أن زمن المعنى و زمن التكلم واحد؛ هو: الزمن الحالى و كل هذا على سبيل التخيل، و التأول، و الحكاية؛ فتحدث الآثار المشار إليها فى الصفحة الآتية و ص ٣٢٦ و يوضح الاعتبارين-