النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٢٦ - المسألة ١٥٧
الأرجح-حذف الجملة الجوابية [١] إلا إن سد مسدها جملة أخرى بعدها [٢] تدل عليها، و لا يستقيم المعنى بجعلها هى الجواب؛ كقوله تعالى: (وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفىََ) ، و الأصل: و إن تجهر بالقول فإنه غنىّ عن جهرك، فحذف الجواب الأصلى، و سدّ مسدّه جملة: (فإنه يعلم السرّ) ، و هى جملة بعده شغلت-مكانه، و لا يستقيم المعنى على اعتبارها الجواب الحقيقى؛ لأن الجهر بالقول لا يترتب عليه أن اللّه يعلم السر؛ إذ اللّه يعلم السرّ دائما؛ سواء أوجد جهر بالقول أم لم يوجد [٣] . و مثل هذه الآية قوله تعالى: (وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ... ) ، و الأصل: و إن يكذبوك فلا تحزن، فقد كذبت رسل من قبلك [٤] . و لا يصح أن تكون الجملة المذكورة هى الجواب؛ لأنها ليست مترتبة على ما قبلها. و كذلك قوله تعالى: (مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ... ) ، فالجواب المحذوف تقديره: فليبادر للعمل الصالح.
و الكوفيون لا يشترطون لحذف الجواب أن يكون فعل الشرط ماضيا، بل
[١] لاحظ ما أشرنا اليه هنا من الرأى الكوفى، و ما سبق فى رقم ٣ من هامش ص ٤٢٣.
[٢] فهى متأخرة فى مكانها عن الجواب المحذوف، و موضعها الأصلى بعده، بالرغم من أنها تشغل مكانه ظاهرا، لا حقيقة؛ إذ مكانه خال فى الواقع. (و هى بهذا الإيضاح تعتبر صورة من صور الشرط الأول. إلا أن الصورة هنا واجبة التأخير، و هى تسد و تغنى عن الجملة الجوابية المحذوفة. لكن كيف يصح حذف الجواب مع أن فعل الشرط مضارع؛ كما يبدو فى الآيات التالية؟أجابوا: « (أنه لما سد شى مسده كأنه لم يحذف) » -راجع حاشية الأمير على «المغنى» ، جـ ٢ موضوع حذف جملة جواب الشرط-
[٣] و الذى دعا لهذا التقدير أن أجل اللّه آت على كل حال؛ فليس الجواب مترتبا على الشرط، فهو كقوله تعالى: « (وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ... ) و مثل قوله تعالى: (وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ.. ) فالجواب فى كل هذه الأمثلة محذوف و قد وجد ما يسد مسده، فجاز حذفه بالرغم من أن فعل الشرط مضارع. و السبب فى اعتباره محذوفا و اعتبار المذكور فى مكانه سادا مسده أن هذا المذكور ليس مترتبا على الشرط و لا مسببا عنه؛ كما هو الشائع فى أغلب الأساليب-طبقا لما أوضحناه فى رقم ٦ من هامش ص ٣٩٥-
أما على غير هذا الاعتبار فلا حذف و المذكور هو الجواب؛ كما سبق تفصيله (فى الهامش المشار إليه) من أن الشرط ملزوم و الجزاء لازم له؛ سواء أكان الشرط سببا أم غير سبب. و كذلك ما قاله ابن الحاحب من أن الجزاء قسمان أوضحناهما هناك...
و يكاد الخلاف يكون لفظيا؛ لا تجاهه إلى مجرد التسمية؛ أنسمى المذكور جوابا أم سادا مسد الجواب حين لا يكون مسببا عن الشرط مباشرة؟و مما يلاحظ أن هذا الخلاف فى التسمية مقصور على الحالة التى يكون فيها فعل الشرط مضارعا بعده جملة ليست مسببة عنه مباشرة.
و سيجىء فى ص ٤٤٨ إشارة أخرى خاصة بأداة الشرط «إن» .
[٤] لهذا إشارة فى الصفحة السابقة.