النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣١٤ - المسألة ١٤٩
الأداة الثالثة [١] : «حتّى» الجارة للمصدر المنسبك من «أن» و الجملة المضارعية:
[١] و تنطبق عليها الأحكام العامة التى فى رقم ٢ من هامش ص ٢٩٨-و لا تتضح «حتى» الجارة على الوجه المحمود إلا بعرضها مع بقية أنواع «حتى» عرضا مناسبا؛ يكفى لتمييز كل نوع من غيره.
أنواع «حتى» ثلاثة؛ أولها: العاطفة؛ و هى حرف عطف يفيد بلوغ الغاية فى خسة، أو شرف، أو قوة، أو ضعف، أو نحو هذا من كل ما يفيد كمالا أو نقصا، حسيين أو معنويين، أو يدل على حسن أو قبح كذلك.. و من أحكام هذا النوع أنه لا يدخل على الحروف، و لا يعطف المصادر المؤولة، و لا الأفعال، و لا الجمل الفعلية و لا الاسمية، و إنما يعطف الاسم الظاهر الصريح فقط.
(و قد سبق تفصيل الكلام على هذا النوع، و على أحكامه فى باب العطف جـ ٣ ص ٤٢٩ م ١٨) .
ثانيها: «حتى الابتدائية» و تفيد الدلالة على: «الغاية» و لو بتأويل أو تقدير-، و لكنها لا تدخل إلا على جملة جديدة؛ مستقلة عن الجملة التى قيلها فى الإعراب، مع اتصالهما معنى بنوع من الاتصال.
و هذا هو المراد من قول «الخضرى» عند كلامه عليها فى باب العطف جـ ٢-: «إنها هى الداخلة على جملة مضمونها غاية أى: نهاية و آخر لشىء قبلها. ) ؛ فتدخل على الجملة الاسمية نحو: الصناعة مفيدة، حتى فائدتها الخلقية كبيرة. و تدخل على الجملة الفعلية الماضوية؛ نحو قول الشاعر:
و ضاقت الأرض؛ حتى ظنّ هاربهم # إذا رأى غير شىء ظنّه رجلا
و نحو: ارتفع صوت الحرية فى القرن العشرين حتى ملأ الأسماع، و دوّى فى المشارق و المغارب حتى زلزل حصون الاستبداد.. و تدخل على الجملة المضارعية بشرط أن يكون زمن المضارع حالا حقيقية، أو مؤولة بالحال، و فى الصورتين يجب رفع المضارع.
فالحقيقية: (هى التى يكون زمنها هو زمن التكلم. ) و فى أثنائه يتحقق معنى المضارع؛ بحيث يكون الوقت الذى يجرى فيه الكلام هو الوقت الذى يقع فيه-أول مرة-معنى هذا المضارع. أى: أن الزمن الحالى يجمع بين كلام المتكلم، و حصول معنى المضارع أول مرة-بالنسبة لهذا الكلام الذى يحوى المضارع، نحو: أصغى الآن للخطيب حتى أسمع و أفهم كلامه (طبقا للبيان الآتى فى ص ٣١٩) و المؤولة بالحال إما مؤولة عن ماض: و هى التى يكون زمنها قد فات قبل التكلم، و معنى المضارع قد وقع و انتهى، و تم كل هذا قبل النطق بالجملة المشتملة على «حتى» و مضارعها و لكن المتكلم يتخيل أن ذلك الزمن بما يحويه من معنى المضارع لم ينته، و أنه موجود قائم حين النطق بالجملة. و هذه الطريقة تسمى: «حكاية الحال الماضية» (و سيجىء تفصيل الكلام عليها هنا، و فى جـ من ص ٣١٨. حيث نعرف الداعى لها، و أثرها النحوى و المعنوى. ) أما علامة هذه الحال الماضية المحكية فصحة الاستغناء عن مضارعها، و إحلال ماضية محله فلا يتغير المعنى و لا يفسد التركيب (كما سيجىء فى ص ٣٢٧-
و إما مؤولة عن مستقبل؛ و هى التى يقع الكلام و يتحقق دون أن يقع و يتحقق زمنها و زمن مضارعها فى أثنائه، أو قبل النطق به. و لكن المتكلم يتخيل زمنها قائم وقت الكلام. و على هذا لا يصح اعتبار: «حتى» ابتدائية إذا كان معنى المضارع الذى بعدها قد تحقق فى زمن انتهى حقيقة، أو أنه سيتحقق فى زمن مستقبل حقيقة، بغير تخيل الحال و حكايتها فى كل واحدة منهما... فمثال حكاية الحال الماضية التى يتخيل المتكلم وقوعها وقت كلامه-على الرغم من أن زمنها قد فات حقا، و انتهى قبل أن يتكلم، قول المؤرخ: -