النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٦٢ - المسألة ١٤٣
الأعداء بجهلك) . أو: (تجنب شرّ القتلة؛ شاهد الزّور) ، (و هل يبرئ القاتل، و هل يقتل البرىء سواه؟) ... فقد تزعم أن المتكلم يعرض عليك كل مسألة من هذه المسائل عرضا مجردا، (أى: خاليا من رغبته القوية و تشدده فى مطالبتك بالتنفيذ أو بالتّرك، خاليا من الحرص على تأديتك ما تحدّث بشأنه أو عدم تأديتك، و تصديقك به أو عدم التصديق) .
و قد يكون لك الحق فى هذا الزعم؛ فليس فى الكلام ما يبعده. فلو رغب المتكلم أن يبعده، و يشعر السامعين بتمسكه بمضمون كلامه، و تشدده فى التنفيذ و التأدية، و حرصه على تصديق ما قال-لزاد فى الكلام ما يدل على هذه الرغبة؛ كأن يزيد «نون التوكيد» ، على آخر الفعل المضارع أو الأمر؛ فإن زيادتها تفيد معنى الجملة قوة. و تكسبه تأكيدا؛ إذ تبعد عنه الاحتمال السابق، و تجعله مقصورا على الحقيقة الواضحة من الألفاظ، دون ما وراءها من احتمالات.
فلو قيل فى الأمثلة السالفة: (أكثرن... -لا تكثرن... -تجنبن...
-يبرئن-... يقتلن... ) لكان مجىء نون التوكيد، برغم اختصارها البالغ بمنزلة القسم، و بمنزلة قول المتكلم: إنى أؤكد كلامى، و أتشدد فى أن تنفذ مضمونه فى المستقبل، و أحرص على أن تصدقه. أو: بمنزلة تكرار ذلك الكلام، و إعادته لتحقيق الغرض السالف، و من أجله سميت: بـ «نون التوكيد» . و المشددة أقوى فى تأدية الغرض من المخففة، و فوق هذا فكلتاهما تخلّص المضارع للزمن المستقبل، سواء أكان اتّصالها به مباشرا أم غير مباشر [١] . و من ثمّ يمتنع دخولها على المضارع إذا كان للحال، أو للمضىّ أحيانا-كما سبق-؛ منعا للتعارض بينهما. أما الأمر فزمنه مستقبل فى الأغلب؛ فتقوّى فيه الاستقبال. فإن كان لغيره خلّصته للمستقبل فالأثر المعنوى لهذه النون هو توكيد المعنى على الوجه السّالف، و تخليص زمن المضارع للاستقبال، و تقوية الاستقبال فى فعل الأمر أو إرجاعه إليه.
و قد تفيد النون-مع التوكيد-الدلالة على الإحاطة و الشمول إذا كان الكلام لغير الواحد، ففى مثل: يا قومنا احذرن مكايد الأعداء... يكون المراد: يا قومنا كلكم، أو جميعكم، فردا فردا...
***
و خلاصة كل ما تقدم: أنهما حرفان من أحرف المعانى، يلحقان بآخر
[١] يكون غير مباشر؛ لوجود فاصل بينهما؛ كالضمير.