النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٢٢ - المسألة ١٤٩
الحال هذه من قرينة تدل على الحكاية.
و الثانية: و هى صورة أقل استعمالا من الأولى. و يراد بها حكاية الحالة المستقبلة التى لم تقع بعد، و التعبير عنها بما يدل على أنها تقع الساعة، و تحصل الآن (أى:
وقت الكلام) مع أنها لم تقع و لم تتحقق قبل الكلام، و لا فى أثنائه، و الغرض منها:
إفادة القطع بمجيئها، و أنها آتية لا محالة، فهى بمنزلة ما وقع و تحقق، أو يقع و يتحقق فى أثناء الكلام. و لا بد فى هذه الحكاية من قرينة تدل عليها. و من أمثلتها قول أحدهم: (ويل للمشرك يوم القيامة، إنى أراه الآن يتلفت حتى يجد الشفيع و لا شفيع يومئذ، و أسمعه يصرخ حتى يسمع النصير، و لا نصير. )
الشرط الثانى: أن يكون ما بعد «حتى» مسببا عما قبلها؛ كالأمثلة السالفة -ليقع الربط بين ما قبلها و ما بعدها [١] -فإن لم يكن مسببا عما قبلها لم يصح رفع المضارع، و وجب اعتبارها جارة ينصب بعدها «بأن» مضمرة؛ وجوبا- نحو: (يقضى هؤلاء الزراع نهارهم فى العمل حتى تغرب الشمس) . فغروب الشمس ليس مسببا عن قضاء النهار فى العمل، فيجب نصب المضارع:
«تغرب» ، و لا يجوز رفعه... ؛ و نحو: (يحرص هذا البخيل على ماله حتى يموت) ، فالموت ليس مسببا عن البخل؛ و لهذا يجب نصب المضارع...
الشرط الثالث: أن يكون ما بعد «حتى» فضلة (أى: تمّ الكلام قبله من الناحية الإعرابية كالأمثلة المتقدمة) لا جزءا أساسيّا فى جملة لا تستغنى عنه فى
ق-السالفين المثال الآتى يقوله أحدنا اليوم:
دعا الرسول عليه السّلام قومه إلى طاعة ربه، و إلى ترك المرذول من عادات الجاهلية، فبذل الجهد فى هذا السبيل، و احتمل الأذى من قومه، و صبر على ما لقيه من العنت و الاضطهاد..
فهذه قصة وقع معناها، و تحقق فعلا قبلى النطق هنا؛ فالتعبير عنها بالفعل الماضى هو المناسب لها. لكن المتكلم قد يعدل عنه إلى التعبير بالمضارع؛ لسبب بلاغى و معنوى كما أشرنا-فيقول: (و هو يتخيل أن الزمن تقدم به إلى عصر النبى، فهو يشاهدها فيه، أو أنها تأخرت إلى عصره فهو يشاهدها كذلك، و فى الحالتين يكون زمن مشاهدتها و التكلم بها واحدا، هو: الزمن الحالى) : إن رسولنا يدعو قومه...
و يبذل الجهد... و يحتمل الأذى... و يصبر....
[١] و هذا الربط معنوى بين الجملتين يقوم على أساس السببية و المسببة؛ لعدم وجود رابط لفظى بينهما. أما فى حالة نصب المضارع فإن الربط اللفظى موجود؛ و هو تعلق الجار و المجرور (أى حتى و ما دخلت عليه) بالعامل قبلها.