النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٤١ - المسألة ١٤٩
اللازم أن يشمله النفى الذى يقع على «القيد» لا محالة [١] ، فإذا قلت: ما جاء محمد راكبا. «فالركوب» «قيد» فى المجىء. و هذا القيد (الركوب) منفى قطعا.
أما حكم المقيّد وحده، و هو «المجىء» المطلق [٢] فقد يكون منفيّا (أى: لم يقع) ، و قد يكون غير منفىّ. فعدم الركوب مقطوع به؛ سواء أوقع المجىء أم لم يقع. و الحكم بوقوع المجىء أو عدم وقوعه محتاج إلى قرينة أخرى تعينه...
و على هذا الأساس يصح أن يتجه الفهم فى المثال الأسبق، (و هو: ما تحضر فتحدثنا) . إلى أنّ التحديث «قيد» للحضور. و القيد منفى-لا محالة-فى حالتى الحضور و عدمه [٣] . أما الحضور نفسه بغير تحديث فقد يكون منفيّا أو غير منفى. فهو مسكوت عنه، يحتاج إلى ما يعيّن أحد الأمرين؛ شأنه شأن التقييد بالحال؛ فكأنك تقول: ما تحضر متحدثا. فالتحديث هو القيد المنفى دائما، و الحضور هو المقيّد المسكوت عنه، إذا نظرنا إليه وحده بغير قيده، أو: كأنك تقول: ما يكون منك حضور يعقبه و يترتب عليه تحديث. فالتحديث هو المقطوع بنفيه. أما الحضور المطلق و عدمه فأمرهما للقرينة؛ تعيّن أحدهما دون الآخر. و على هذا فالفاء للسببية و المصدر المؤول بعدها معطوف على مصدر قبلها و النفى منصب على القيد وحده، كما شرحنا. و من هذا قول الشاعر:
و من لا يقدّم رجله مطمئنة # فيثبتها فى مستوى الأرض يزلق
فكأنه قال: من لا يقدّم رجله مثبتا يزلق.
(ب) و يقول النحاة: إن المعنى قبل «فاء السببية» قد يكون مثبتا؛ بأن يتخطاه النفى إلى ما بعدها. بالرغم من وجود النفى قبلها-كما يفهم من بعض الحالات السابقة [٤] -فإن تسلّط النفى على ما قبلها فالفاء تفيد معنى التسبب الذى
[١] قد يعبرون عما سبق بقول أدق؛ هو: أن المقيّد لا ينصب عليه النفى إلا فى حالة واحدة هى التى يتقيد فيها، و يتحقق فيها وجود القيد دون غيرها من بقية الحالات التى لا تدخل فى دائرة القيد؛ فقد يشملها النفى أو لا يشملها؛ على حسب القرائن. و يزيد الأمر وضوحا إذا رجعنا إلى «ب» ص ٣٠٢
[٢] و هو غير المقيد بالركوب.
[٣] و هو فى حالة العدم أحق و أولى؛ إذ لا يمكن أن يحدثنا مع عدم مجيئه، و انتفاء حضوره.
[٤] الحالة الثانية من حالات النصب.