النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٧٨ - المسألة ١٥٢
المسألة ١٥٢:
السبب فى إضمار «أن» وجوبا، و جوازا.
تقدمت [١] المواضع التى تضمر فيها «أن» الناصبة بنفسها للمضارع بالرغم من إضمارها. و لا ترضى جمهرة النحاة أن يكون الناصب فى تلك المواضع عاملا آخر. و تتلخص الحجة فيما يأتى:
نصب المضارع لا بد أن يكون أثرا لعامل ناصب، إن لم يظهر فى الكلام فلا مناص من تقديره مختفيا [٢] ؛ يعمل النصب و هو مضمر. إذ لا يستقيم المعنى بغير إضماره جوازا حينا، و وجوبا حينا آخر.
(ا) يتضح هذا من مواضع الإضمار الجائز التى منها «المضارع المسبوق بلام التعليل» (فى مثل: تداوى المريض ليبرأ-تعلم الناشئ ليسعد-أجاد الصانع ليشتهر) ... فسبب الإضمار هنا أن «التعليل» أمر معنوى محض؛ فهو متجرد من الدلالة على الزمان، أو المكان، أو الذات، أو غيرها... ، مقتصر على الناحية العقلية الخالصة؛ (و من الأمثلة أيضا: التداوى-البرء-السعادة- الاشتهار-القيام-القعود-الحصد-الأكل-الشرب-السفر... ) على حين يتضمن المضارع الذى بعد «لام التعليل» الدلالة على الزمان حتما. فهو مخالف لذلك القانون اللغوىّ الثابت الخاص بالتعليل؛ و مناقض له، مع أنهما فى كلام واحد مرتبط المعنى. فلا بد من منع هذا التناقض بوسيلة سائغة تخضع هذا المضارع للقانون العام المطرد. و قد وجدها النحاة فيما يسمونه: «المصدر المؤول» .
و زاد اطمئنانهم إليه حين رأوا العرب يعطفون عليه المصدر الصريح عطفا يدل على اشتراكهما فى الدلالة المعنوية المحضة. و لم يبق بعد هذا إلا اهتداؤهم إلى الحرف المصدرى السابك. فهل يكون لام التعليل فى الأمثلة السالفة؟
قالوا: لا؛ لأنها حرف جر، و المضارع بعدها منصوب، و لا يقبل الجر. فما الذى نصبه و ليس فى الكلام عامل نصب؟هل تكون لام جر و نصب معا؛ فتنصب المضارع
[١] فى ص ٢٦٨ و ٢٩٨
[٢] أو محذوفا سماعا فى بعض الحالاث-كالتى فى الصفحة السالفة-