النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٣٥ - المسألة ١٥٧
القسم المقدّر [١] ؛ و الأصل عندهم: و لئن أطعتموهم إنكم لمشركون. فجملة؛ "إنكم لمشركون"، جواب للقسم لا للشرط، و لم تذكر لام القسم مع أن القسم نفسه محذوف- (و الأصل و اللّه إن أطعتموهم... ) لأن ذكر اللام بعد حذفه ليس واجبا، و إنما هو أقوى و أكثر. و بهذا التأويل يقولون فى آيات أخرى تشبه الآية السالفة فى رأيهم، مع أنها تخالفها فى شىء هامّ، و من هذه الآيات قوله تعالى فى المشركين: (وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمََّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ ) و قوله تعالى: (وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ) ، و وجه المخالفة هو أن المضارع مؤكد هنا بالنون؛ فالقسم محتم ليسوغ التأكيد بها.
و قال آخرون: إن الفاء ليست محذوفة فى الآيات السالفة-و ما يشبهها-و إنما هى مقدرة ملحوظة؛ فكأنها مذكورة. و لكن كثرة النحاة لا ترتضى هذا الرأى [٢] ، مع أن الخلاف شكلى محض. إذ مؤداء فى الرأيين التأويل بالحذف، و إن اختلفا فى نوع المحذوف. و التمحل ظاهر فى تأويل الآية الأولى، و فى الحكم على الحديث بالندرة، لوجود شواهد أخرى نثرية-لا تخضع للضرورة-و غير نثرية. فالأفضل أن يقال: إن الأعم الأغلب هو عدم حذف «الفاء» و «إذا» التى تنوب عنها، و أنه يصح-مع القلة النسبية، لا الذاتية-الاستغناء عنهما، إن كانت أداة الشرط هى: «إن» [٣] ....
و يقول أبو حيان و فريق من النحاة إنّ «إذا» الشرطية قد تنفرد بخلو جوابها منهما إذا كان الجواب منفيّا بإن، أو: ما، أو: لا. و جعل منه قوله تعالى:
«وَ إِذََا رَآكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاََّ هُزُواً... ) -كما سبقت الاشارة لهذا [٤] -
[١] أما جواب الشرط فمحذوف يدل عليه جواب القسم (و لهذا صلة بما يجىء فى هامش ص ٤٥٤) .
[٢] جريا وراء الرأى الذى اختاره الرضى و آخرون. فقد جاء فى شرحه للكافية-جـ ٢ ص ٣٩٤- ما نصه: (قال بعضهم: إن قوله تعالى: «إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» جواب الشرط، و الفاء مقدرة. و لم يقدر قسما. و هو ضعيف؛ لأن ذلك إنما يكون لضرورة الشعر، كقوله:
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها # و الشر بالشر عند الناس مثلان) . ا ه
و مثله أبو حيان فى كتابه البحر (جـ ٤ ص ٢١٣) حيث يقول: (زعم الحوفى أن قوله تعالى: «إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» على حذف الفاء، أى: فإنكم، و هذا الحذف من الضرائر فلا يكون فى القرآن و إنما الجواب محذوف. و «إنكم لمشركون» -جواب قسم محذوف، و التقدير: و اللّه إن أطعمتوهم... ) ا هـ و الخلاف بين الرأيين شكلى-كما سيجىء.
[٣] لأن أكثر الأمثلة المسموعة الخالية منها كانت أداة الشرط فيه هى: «إن» .
[٤] فى النوع الخامس-ص ٤٣١-.