النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٣١ - المسألة ١٤٩
الأداه الرابعة: فاء السّببية الجوابية [١] :
معناها: يتّضح من الأمثلة التّالية:
١-لا يغضب العاقل فيفقد صواب الرأى، و لا يتبلّد فيفقد كريم الشعور.
٢-لست أنكر الفضل فأتّهم بالجحود أو بالحقد، و لست أبالغ فى الثناء؛ فأتهم بالغفلة أو الرياء.
٣-لا تصاحب غادرا فينالك غدره، و لا تأتمن خائنا فتصيبك خيانته.
٤-أتعرف لنفسك حقها فتصونها عن الهوان؟و هل تدرك أن الكبر كالضّعة؛ كلاهما بلاء فتحذره؟
إن الناطق بمثل: «لا يغضب العاقل؛ فيفقد صواب الرأى» ... يريد أمرين معا، هما: نفى الغضب عن العاقل، و بيان ما يترتب على نفيه من عدم فقد الرأى الصّائب؛ فكأنه يقول: العاقل لا يغضب؛ فيترتب على عدم غضبه أنه لا يفقد صواب الرأى، أى: لا يغضب، فلا يفقد سديد الرأى. فما بعد «الفاء» مسبب عما قبلها، و كلاهما منفى، هنا [٢] .
[١] تجرى عليها الأحكام العامة التى سبقت فى رقم ٢ من هامش ص ٢٩٨.
[٢] لكى يكون المعنى-فى هذا المثال و أشباهه-غاية فى الوضوح نلاحظ عند استخلاصه الأمور الآتية التى تشترك فى تكوينه، و التى سيجىء تفصيل الكلام عليها بعد قليل، و أهمها:
ا-أن فاء السببية هى للعطف أيضا فتفيد الترتيب و التعقيب مع السببية.
ب-أن المعطوف بها هو المصدر المؤول من أن المضمرة وجوبا و ما دخلت عليه.
حـ-أن المعطوف عليه لا بد أن يكون مصدرا مؤولا كذلك. و لا بد أن يكون موجودا، و لو من طريق التصيد.
د-أنها إذا وقعت بعد نفى فقد يكون المنفى هو ما قبل الفاء و ما بعدها معا؛ كما فى هذا المثال.
و قد يكون أحدهما وحده؛ (طبقا للبيان الهامّ الأساسىّ الذى فى ص ٣٣٨) و الاهتداء إلى المنفى أمر ضرورى لسلامة المعنى و تطبيقا لهذه الأمور نقول فى المثال الأول لاستخلاص معناه: لا يكون من العاقل غضب ففقد صواب الرأى-أىّ: لا يكون من العاقل غضب يعقبه و يتسبب عنه فقده صواب الرأى. و لما كان السبب (العلة) و هو غضب: العاقل منفيا وجب أن يكون المسبب عنه منفيا كذلك، و هو فقده صواب الرأى: و بهذا يكون النفى منصبا على ما قبل الفاء و ما بعدها معا و ينتهى الأمر إلى أن المعنى المراد هو: لا يغضب العاقل؛ فلا يفقد صواب الرأى. و هكذا الباقى.