الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٣ - الإمام الصادق و انصرافه إلى العلم
فيها المنفرد بالتوجيه و الإرشاد، و إنه قد عرف بغزارة العلم (كرم اللّه وجهه). و عمق انصرافه إلى الإفتاء في مدة الخلفاء قبله، و المشاركة في كل الأمور العميقة التي تحتاج إلى فحص و تقليب للأمور من كل وجوهها، مع تمحيص و قوة استنباط.
و إنه يجب علينا أن نقرر هنا أن فقه علي و فتاويه و أقضيته لم ترو في كتب السنة بالقدر الذي يتفق مع مدة خلافته، و لا مع المدة التي كان منصرفا فيها إلى الدرس و الإفتاء في مدة الراشدين قبله، و قد كانت حياته كلها للفقه و علم الدين، و كان أكثر الصحابة اتصالا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقد رافق الرسول و هو صبي قبل أن يبعث (عليه السلام) و استمر معه إلى أن قبض اللّه تعالى رسوله إليه، و لذا كان يجب أن يذكر في كتب السنة أضعاف ما هو مذكور فيها.
و إذا كان لنا أن نتعرف السبب الذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويات علي و فقهه فإنا نقول: إنه لا بد أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار علي في القضاء و الإفتاء، لأنه ليس من المعقول أن يلعنوا عليا فوق المنابر، و أن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه، و ينقلون فتاويه و أقواله للناس، و خصوصا ما كان يتصل منها بأساس الحكم الإسلامي.
و العراق الذي عاش فيه علي رضي اللّه عنه و كرم وجهه، و فيه انبثق علمه، كان يحكمه في صدر الدولة الأموية و وسطها حكام غلاظ شداد، و هم الذين يخلقون الريب و الشكوك حوله، حتى أنهم يتخذون من تكنية النبي له «بأبي تراب» ذريعة لتنقيصه، و هو رضي اللّه عنه كان يطرب لهذه الكنية و يستريح لسماعها لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قالها في محبة كمحبة الوالد لولده.
و لكن هل كان اختفاء أكثر آثار علي رضي اللّه عنه و عدم شهرتها بين جماهير المسلمين سبيلا لاندثارها، و ذهابها في لجة التاريخ إلى حيث لا يعلم بها أحد ...!!
إن عليا قد استشهد و قد ترك وراءه من ذريته أبرارا أطهارا كانوا أئمة في علم الإسلام و كانوا ممن يقتدى بهم، ترك ولديه من فاطمة الحسن و الحسين، و ترك رواد الفكر محمد بن الحنفية فأودعهم رضي اللّه عنه ذلك العلم ...
أقول:
ذكرنا هذه الملاحظة مع طولها باختصار و فيها تقرير لحقائق يجب مراعاتها و الالتفات إليها بدون تحيز.