الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦٤ - تعقيب
و الفارابي أستاذ ابن سينا بالاطلاع و القدوة نشأ فيما وراء النهر، و وعى أقوال الشيعة الإمامية في شروط الإمامة، و مزج بينها و بين شروط افلاطون في كتاب الجمهورية، فجعل الإمام صفوة الخلق في كمال الصفات، و اجتماع الفضائل العقلية و النفسية، بل فضائل الجسد التي نزهت عن شوائب الضعف و المرض، و كان إخوان الصفا يدينون بمذهب في الإمامة كهذا المذهب، و يؤلفون الرسائل مع هذا في المنطق، و في علوم الرياضة، و الفلك و ما إليها، من علومهم العقلية.
فالدراسات المنطقية، و سائر الدراسات العقلية- كانت من شواغل الشيعة الإماميين، و لم يكن إيمانهم بالإمامة مما يصرف العقل عن التوسع في علم من العلوم، و ربما أخذت عليهم طوائف المسلمين افراطا في هذا الباب، و لم تأخذ عليهم تفريطا فيه يتعمدونه أو يساقون إليه على غير عمد [١].
هذا ما اقتطفناه من كلمة الأستاذ العقاد في رده على المستشرقين حول فكرتهم الخاطئة- و كم لهم من أخطاء- فيما يكتبونه عن الإسلام بصورة عامة، و عن الشيعة بصورة خاصة، للأسباب التي مر ذكرها [٢].
و من المؤسف له- أن كثيرا من الكتّاب قد تأثروا تأثرا أخرجهم عن حدود ما يجب عليهم أن يتبعوه في كتاباتهم و منهم المؤلف.
و إن القول بأن الشيعة قد قيدوا العقل أو أنهم جامدون إلى آخر ما في حقيبتهم من أفكار خاطئة ينطوي على غرض لا يخفى على أي منصف فقد رأينا أصل مثل هذا الاتهام؟ و جاء البعض و سمح لنفسه بأن يأخذ أفكاره من المستشرقين و هم من قادة حملة السيطرة الأجنبية و أدوات النهب الاستعماري و من السهل أن يعتذر الإنسان للأجانب و يتسامح معهم لأن عوائق كثيرة تحول دون استيعابهم للأمور و تمثلهم للمسائل؟ و لكن بما ذا نعتذر لمن هم من أبناء الإسلام.
و يبقى الباحث بين ترديد هذه الدعاوى و جريانها على أقلام إخواننا و أبنائنا و بين صفات التخصص و المراكز و الألقاب العلمية في حيرة.
[١] انظر التفكير فريضة إسلامية للأستاذ عباس محمود العقاد ص ٦٠- ٦١.
[٢] انظر الجزء الخامس من هذا الكتاب ط ٣ ص ٢٣ و الجزء السادس ص ٣٨٤ و ٤٠٠.