الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٦٨ - سخاؤه
معنيان متلاقيان في نفس المؤمن القوي الإيمان فمن شكر النعمة فهو الصابر عند نزول النقمة بل إن شكر النعمة يحتاج إلى صبر، و الصبر في النقمة لا يتحقق إلا من قلب شاكر يذكر النعمة في وقت النقمة، و الصبر في أدق معناه لا يكون إلا كذلك، إذ الصبر الحقيقي يقتضي الرضا، و هو الصبر الجميل.
و لقد كان أبو عبد اللّه صابرا شاكرا خاشعا قانتا عابدا، صبر في الشدائد، و صبر في فراق الأحبة، و صبر في فقد الولد: مات بين يديه ولد له صغير من غصة اعترته فبكى و تذكر النعمة في هذا الوقت، و قال: لئن أخذت لقد أبقيت، و لئن ابتليت فقد عافيت.
ثم حمله إلى النساء، فصرخن حين رأينه، فاقسم عليهن ألا يصرخن ثم أخرجه إلى الدفن و هو يقول: سبحان من يقبض أولادنا و لا نزداد له إلا حبا. و يقول بعد أن و اراه التراب: إنا قوم نسأل اللّه ما نحب فيمن نحب فيعطينا، فإذا أنزل ما نكره فيمن نحب رضينا.
و ها أنت ذا ترى أنه رضي اللّه عنه يذكر عطاء اللّه فيما أنعم، في وقت نزول ما يكره، و ذلك هو الشكر الكامل مع الصبر الكامل.
و إن الصبر مع التململ لا يعد صبرا، إنما هو الضجر، و الضجر و الصبر متضادان، و إنا نقول بحق إن أوضح الرجال الذين يلتقي فيهم الصبر مع الشكر؛ هو الإمام الصادق.
سخاؤه:
قال كثيرون من المفسرين في قوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً [الإنسان: ٨] إنها نزلت في علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)، و إن كانت هي في عمومها وصفا للمؤمنين الصادقي الإيمان، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و مهما يكن من القول في ذلك فإنه من المؤكد أن علي بن أبي طالب كان من أسخى الصحابة رضي اللّه عنهم، بل من أسخى العرب، و قد كان أحفاده كذلك من بعده، فعلي زين العابدين كان يحمل الطعام ليلا ليوزعه على بيوت ما عرفت خصاصتها إلا من بعده.
و لم يكن غريبا أن يكون الإمام الصادق النابت في ذلك المنبت الكريم سخيا