الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦٥ - تعقيب
فإذا جهل الأستاذ حميدة أن الشيعة كيما يخففوا من آثار سياسة الحاكمين في تقييد العقل و حرية الرأي جعلوا العقل قبل القياس في حركة الرأي و لم يطمئنوا إلى القياس خشية أن لا يكون ضابطا قويا في استنباط الأحكام فجعلوا العقل محل ذلك فهل جهل الأستاذ ما تناوله العلماء و الباحثون في الحركة العقلية في الإسلام كحقيقة ثابتة و مساهمات الشيعة الكبرى في كل نتاجات العقل الإسلامي.
يقول الدكتور محمد ضياء الدين الريس، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة:
إن أول من كتبوا في «الإمامة» كتابة علمية، و أول من تصدوا إلى إثبات مذهبهم بالأدلة المنطقية، سواء أ كانت الأدلة مبنية على أساس «ديني»- ثيولوجي- أم عقلي هم: الشيعة، فالشيعة لهم الفضل في خلق هذا النوع من العلم المسمى بالإمامة و هم الذين أوجدوه، و أفردوا له مكانا بين مباحث علم الكلام، و إذا كان من المعروف أن «علم الكلام» فيما يختص بالعقائد الدينية إنما نشأ كنتيجة للمناقشة و الجدل بين الشيعة و المعتزلة و أهل الحديث، فكذلك مباحث الإمامة- و هي الجانب السياسي منه- إنما وجدت للنقاش بين الشيعة و مخالفيهم: من خوارج، و معتزلة، و أهل السنة.
و هذه الحقيقة ذات دلالة كبيرة، إذ أنه ترتب على أن الشيعة هم الذين أوجدوا هذا العلم و أنهم طبعوه بطابعهم، و صاغوه الصياغة التي ارتضوها.
و مراعاة هذه الفكرة تفسير لنا أشياء كثيرة: فالشيعة- في الغالب- هم الذين اختاروا للإمامة مصطلحاتها الفنية، بل هم الذين سموها بهذا الاسم، و هم الذين قسموا العلم و بوّبوا أبوابه و عينوا مجاله، و رسموا حدوده، و هذا يشرح: لما ذا ظل علم الإمامة أو علم «النظريات السياسية الإسلامية» محصورا هكذا في نطاق محدود لا يعدوه، و لما ذا لم يتسع نطاق البحث فيه حتى يشمل مسائل هامة كان ينبغي لمفكري الإسلام أن يبحثوها؟ فالحقيقة أن الشيعة هم الذين وضعوا الأساس، و أنه كان على غيرهم من أهل الفرق الأخرى أن يملئوا الفراغ الذي حدد بها الأساس، و أن يقيموا البناء معتمدا عليه، أو قل بتعبير آخر: إن أبحاث الفرق الأخرى إنما كانت محصورة في أنها أجوبة على الأسئلة التي يضعها الشيعة، و لم تكن إلا مجموعة من الردود على الدعاوي التي كان الشيعة يبدءون بإثارتها. بهذا شابهت صيغة الجواب صيغة السؤال،