الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٨٤ - تمهيد
المقدمات كما يدرس القاضي البينات يستنطقها و لا يوجهها، و يأخذ عنها، و لا يتزيد عليها، حتى إذا انتهى إلى الحكم نطق به، و نقول إننا بشر نخطئ و نصيب [١].
فالمؤلف في هذا الكتاب يقضي بالعدل لا يميل مع أحد إلا أن يكون الحق معه، فهو كما يقول يدرس القضايا و المقدمات، و ينطق بالحكم، و لا بد أن يكون حكمه عادلا، و سنرى من سير هذه الملاحظات ما يؤول إليه الأمر و يكشف الواقع، فإن كانت أحكامه عادلة شكرناه و إن كان قد أخطأ فنحن نبين ذلك، و الرجوع عن الخطأ فضيلة يحمد عليها المرء، و نحن مع الحق أين ما يكون، و لا مغضبة في الحق و من يغضب منه فلا كرامة له و لا اعتناء به.
و قد قلت أنا لا نعير اهتمامنا إلا لرجال العلم و ذوي الفهم، و كم قد وقفنا على عشرات من الكتب التي حررتها أقلام مأجورة، لمن لا يعرفون من الحق موضع أقدامهم، فتهجموا على اتباع أهل البيت، و كتبوا بدون حكمة و اتزان، و أبرزوا الأمور في غير قالبها، أولئك قوم قد ضرب الهوى على عقولهم، فجاءوا بآراء غير سديدة، ذهابا مع أهواء النفس، و خضوعا لسلطان الطائفية الجائر، فترفعنا عن مناقشتهم لا عجزا عن ذلك و إنما إهمالا لشأنهم.
لأننا لا نعبأ بمن يسير على غير هدى، و لا يرضخ للواقع و يهرب منه عند ما يصطدم به، و إظهار الحقيقة يشق عليه، لأن القضية قضية هوس و تهريج و هدف معين لا قضية مناقشات علمية و مبادلة آراء و معالجة للمشاكل.
و على كل حال: فإن تقديري لشخصية الشيخ أبو زهرة و ما عهدته فيه من عدم التعصب لمذهب دون آخر، جعلني أستغرب منه ما خالف فيه الواقع و حكم عليه بدون بينة، فكتابه الإمام الصادق الذي نحن بصدده الآن هو أهم من غيره لعدة أمور لا تخفى على القارئ النبيه، لذلك أعرناه مزيدا من الاهتمام في الدراسة، و قد قرأته بدقة فظهرت لي أشياء كثيرة تسترعي الانتباه، و تستوجب المؤاخذة عليها و إبداء الملاحظات حولها، فسجلت عليه مؤاخذات لا تتعدى حدود النقد النزيه المتركز على الموازين الصحيحة.
[١] الإمام الصادق لأبي زهرة ص ١٨٤- ١٨٥.