الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٧ - المختار الثقفي
لأنه قد أخذ على نفسه بدراسته عن المذاهب: (أن يستخلص الحق مما تأشب به و اختلط، كما يستخلص الذهب مما اختلط به من مواد غريبة عنه، و إن تم بينه و بينها المزج و الاتحاد، و في هذا السبيل نرد بعض الأقوال و نقبل بعضها كما يفعل الصيرفي، إذ يرد الزيوف من النقود و يقبل النافقة الرائجة) [١].
و ليس من الحق هنا أن يعرض عما تأشب به، و ليس من الحق هنا أن تقبل المزيف و لا ترده، و إنك يا فضيلة الشيخ نصبت نفسك هنا حاكما لا مدعيا، فكان الأجدر بك ألا تأخذ بكل ما يقال فتحكم به، و إن جزمك بوجود الفرقة السبئية يهدم أملنا بك و بأمثالك من دعاة الوحدة الإسلامية، ممن نرجو بهم إظهار الحقيقة، و القضاء على الأساطير و الخرافات، التي وضعت حجر عثرة في طريق تقارب المسلمين، و إن أسطورة ابن سباء قد آن الأوان لانتزاعها من الأذهان، فهي حديث خرافة لا يليق برجال العلم أن يعتنوا بها. فهي من وضع الزنيدقة الذين كان جل قصدهم إثارة الفتنة بين المسلمين.
كما أن اتهام المختار بما لا يليق به هو من الأمور المزيفة التي يلزم استخلاصها و عدم قبولها على ما ألحقته به الأغراض و النوايا التي عارضتها ثورته.
هذا كله بالنظر إلى قضية اتهام المختار من حيث ذاتها مجردة عن كل الملابسات، أما إذا نظرنا إليها من حيث ما جره عداء الأمويين له، و تحزبهم عليه و ساعدهم على ذلك قوم موتورون، لأنه قد حكم السيف منتقما ممن أراق دم أبناء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فإذا تعمق الباحث في بحثه، و مشى على ضوء الأدلة متجردا عن الهوى و العصبية، فلا يجد أي سبب لتلك الاتهامات، و المختار بريء مما علق بأبراده من درن، و كان من الواجب أن يعطي موقفه ضد أعداء أهل البيت، و موقف أبيه من قبل ضد أعداء الإسلام مزيدا من التريث في إعطاء الحكم عليه بدون درس لقضيته و استنطاق للحوادث [٢].
و إن حكم الشيخ أبي زهرة بهذه الصورة المؤلمة، في إسناد الأفكار الخبيثة إليه، و أن المختار هو مصدر اختلاف الآراء، و نشر العقائد أمر مخالف للحق، و بعيد
[١] كتاب مالك لأبي زهرة ص ١٥.
[٢] أضفنا بابا عن ثورة المختار في كتابنا (مع الحسين في نهضته) بطبعته الجديدة إنشاء اللّه.