الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٧٠ - شجاعته
أهانه الضعيف هو الذل الكبير، فلا ذل في عفو، و لا عظمة في انتقام، و لقد قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما نقص مال من صدقة، و ما زاد عبد بالعفو إلا عزا، و من تواضع للّه رفعه.
و إن الحلم و التسامح خلق قادة الفكر و الدعاة إلى الحق كما قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] و كما قال آمرا نبيه، و كل هاد بل كل مؤمن: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف:
١٩٩].
شجاعته:
و في صفحة ٨٢ قال:
أولئك ذرية علي و نسله الكرام صقلتهم الشدائد، و لم تهن من عزائمهم المحن، فالشجاعة فيهم من معدنه، و هي فيهم كالجبلة لا يهابون الموت، و خصوصا من يكون في مثل أبي عبد اللّه الصادق الذي عمر الإيمان قلبه، و انصرف عن الأهواء و الشهوات، و استولى عليه خوف اللّه وحده. و من عمر الإيمان قلبه و من لا يخش إلا اللّه فإنه لا يخاف أحدا من عباده، مهما تكن سطوتهم و قوتهم، و قد كان رضي اللّه عنه شجاعا في مواجهته من يدعون أنهم اتباع له، و هم مع ادعاء هذه التبعية الرفيعة يحرفون الكلم عن مواضعه، فهو لم يعن عن تعريفهم الحق، و تصحيح أخطائهم و عن توجيههم حتى إذا لم يجد التوجيه و الملام أعلن البراءة منهم و أرسل من يتحدثون باسمه ليعلنوا هذه البراءة.
و كذلك كان شجاعا أمام الأقوياء ذوي السلطان و الجبروت، لا يمتنع عن تذكيرهم بالطغيان تعريضا أو تصريحا على حسب ما توجبه دعوة الحق من مراعاة مقتضى الحال، و يحكى أن المنصور سأله: لم خلق اللّه تعالى الذباب؟ و ذلك عند ما وقعت ذبابة على وجه المنصور عدة مرات، فأجاب الصادق معرضا بأهل الجبروت و الطغيان: يذل به الجبارين.
و قد كان هذا في لقائه للمنصور، و قد تقوّل عليه الذين يطوفون بالحكام الأقاويل، و إن هذه الإجابة في هذا اللقاء لأكبر دليل على ما كان يتحلى به من شجاعة، و إنه في هذا اللقاء لا يكتفي بذلك، بل ينصح المنصور قائلا له: عليك بالحلم فإنه ركن العلم، و أملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه